تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
الخوان وخشبه وجودة صنعه والسكرجات والخل والبقل وغيره ولا بأس أن أسوق هذا القسم من المقامة الذي يصور أطعمة العرب وعاداتهم في عصر الهمذاني . « ونعود إلى حديث المضيرة . فقد حان وقت الظهيرة . يا غلام ، الطست والماء ، فقلت اللّه أكبر ، ربما قرب الفرج وسهل المخرج ، وتقدم الغلام ، فقال : هذا الغلام انه رومي الأصل ، عراقي النشء . . . . تقدم يا غلام ضع الطست وهات الإبريق ! فوضعه الغلام وأخذه التاجر وقلبه وأدار منه النظر ، ثم نقره فقال : انظر إلى هذه الشبكة كأنه جذوة اللهب ، قطعة من الذهب ، شبه الشام ، وصنعة العراق . . . . تأمل حسنه وسلني متى اشتريته ؟ اشتريته واللّه عام المجاعة ، وادخرته لهذه الساعة . يا غلام : الإبريق . فقدمه وأخذه التاجر فقلّبه ، ثم قال : وأنبوبه منه ، لا يصلح هذا الإبريق الا لهذا الطست ، ولا يصلح هذا الطست الا مع هذا الدست . أرسل الماء يا غلام ، فقد حان وقت الطعام . وهذا المنديل سلني عن قصته . فهو نسج جرجان وعمل أرجان وقع إليّ فاشتريته . . . . وأسلمته إلى المطرّز حتى صنعه كما تراه وطرزه . ثم رددته من السوق وخزنته في الصندوق ، وادخرته للظرّاف من الأضياف لم تذله عرب العامة بأيديها . يا غلام الخوان والقصاع . . . فأتى الغلام بالخوان ، وقلبه التاجر على المكان ، ونقره بالبنان ، وعجمه بالأسنان وقال : عمر اللّه بغداد فما أجمل متاعها وأظرف صناعتها . تأمل باللّه هذا الخوان وانظر إلى عرض متنه وخفة وزنه ، وصلابة عوده ، وحسن شكله . فقلت : هذا الشكل ، فمتى الأكل ؟ فقال : الآن عجل يا غلام الطعام « 1 » . اذن لقد تعقدت الحياة وتعقدت نفوس الناس ومفاهيمهم في القرن الرابع الهجري وما يليه ، لم تعد تلك النفوس القانعة التي ترضى بكل شيء ، وان هي أصابت من ترف الحياة فإن عقلها ليذهل أمام هذه الكماليات . وليت هذا التعقيد وقف عند حد لم يكن يعرف الإفراط . فلم يعد يرضي أهل هذا العصر أن يسموا الأشياء بمسمياتها الصريحة والصحيحة كما رأينا عند الهمذاني . بل لجؤوا إلى المعميات والألغاز فإذا بالحريري « 2 » يكثر من
هامش
( 1 ) راجع المقامة المضيرية للهمذاني . ( 2 ) الحريري : هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان بن الحريري . ولد بضاحية من ضواحي البصرة عام 446 ه . ولما شب نال ثقافته في البصرة فسمع الحديث وقرأ الأدب واللغة . وبذكائه أصبح صاحب الخبر في ديوان الخلافة . كان غاية في الذكاء فكان أديبا شاعرا ، وله شعر كما ترك مجموعة من الرسائل أو المقامات . كما ألف في النحو ، وله كتاب « درة الغواص في أوهام الخواص » توفى عام 416 ه .