احترف صناعة خبز الأرز في دكانه بمربد البصرة ليكتسب بذلك معاشه . وقد بدت حاله وفقره وسوء طالعه في هذه الأبيات التي وجهها لحاكم نيسابور :
كم مرة سعيد على الأيام قد نحسا * وصاعد قد رماه الدهر فانتكسا
وحاكم ظن أني دون ثروته * مذبذب ، فقرا لي وجهه عبسا
سنستجد خلاف الحالتين فلا * أبقى فقيرا ، ولا تبقى لحكم نيسا « 1 »
ومن هؤلاء الشعراء المحترفين الشاعر المعروف بالخباز البلدي « 2 » . فقد احترف كالخبز أرزي صناعة الخبز وكان مثله أميا وشعره كله ملح وتحف . وقد قال يصف فساد سوق شعره ونكبته فيه ، لكنه سيصمد ولن يفقد صبره :
نكبت في شعري وثغري وما * نفسي في صبري بمنكوبه
إذا دنت بيضاء مكروهة * مني نأت بيضاء محبوبه
وقال يشكو اللّه حاله ويندب سوء طالعه ونحسه :
يا قاسم الرزق لم خانني القسم * ما أنت متهم قل لي من أتهم ؟
إن كان نجمي نحسا أنت خالقه * فأنت في الحالتين الخصم والحكم « 3 »
وقد اضطر بعض العلماء أيضا أن يحترفوا صناعات أخرى كالقلي أو صناعة الفحم وقد هجا أبو نواس رجلا كان عالما ثم اضطر لمزاولة احدى هاتين المهنتين :
أبعد سربال أمرىء عالم * أصبحت في سربال مرّاق « 4 »
بعد غدوّ لاكتساب العلى * تغدو على ربد وحرّاق « 5 »
هامش
( 1 ) اليتيمة : ج 4 - ص 383 ، لحكم نيسا : قصد بها حكم نيسابور وحذف منها ( بور ) لضرورة الشعر .
( 2 ) الخباز البلدي : هو أبو بكر محمد بن أحمد بن حمدان من بلدة يقال لها : « بلد » من بلاد الجزيرة التي فيها الموصل . وكان أميا حافظا للقرآن مقتبسا منه في شعره . وهو يقول مفتخرا بأميته وهجائه :بالغت في شتمي وذمي * وما خشيت الشاعر الأمي
جربت في نفسك سما فما * أحمدت تجريبك للسم( 3 ) اليتيمة : ج 2 - ص 209 وما بعدها .
( 4 ) المراق : الخارجون عن الدين .
( 5 ) الحراق : أصحاب الصناعات كالقلايين والفحامين .