تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لمفردات الأدوية والأغذية — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
معاشرتهم ، فلما أعدت علته غيره ممن كان يعاشره وسمج منظره فعمل له كوخاً يستظل به بالقرب من القرية على تل ليس بالمرتفع عند عين من عيون الماء وأجلسوه فيه ، وكانوا يأتونه من الطعام في كل يوم بمقدار ما يقوته ، فلما كان وقت طلوع الشعرى العبور حمل إلى قوم من الحصادين الذين كانوا يحصدون بالقرب من ذلك المريض شراب في جرة طيب الرائحة جداً ، فوضع الرجل الذي أتاهم بها تلك الجرة عندهم ومضى ، فلما حضر الوقت الذي أرادوا أن يشربوا فيه ذلك الشراب وأرادوا أن يصبوه كما لم تزل عادتهم في أجانة كبيرة ليمزجوه ويشربوه ، فلما ضرب شاب منهم يده إلى الجرة وجعل يصب الشراب منها في الأجانة فسقطت مع الشراب حية وهي أفعى ميتة ففزع الحصادون من ذلك وتخوفوا أن يعرض لهم من ذلك الشراب إن شربوه آفة فتركوه وشربوا بدله ماء ثم أنهم بالرأفة منهم على المجذوم والرحمة له كأنهم يرثون له مما هو فيه من عذاب المرض أرادوا أن يصطنعوا إليه معروفاً فدفعوا إليه ذلك الشراب كله لأنهم رأوا وحكموا بأن الموت خير له مما هو فيه ، فلما شربه برئ بضرب عجيب من البرء وذلك بأن غلظ جسده كله وسقط كما يسقط عن دواب الجثث الخزفية من الحيوان جلودها فصار الذي بقي من لحمه تراه من اللين كمثل لحم الحلزون والأصداف والسرطان إذا سقطت جثتها الشبيهة بالأخزاف عنها . وقد عرض مثل هذا العارض أيضاً في مرسيا الذي في آسيا وليست بكثيرة البعد عن مدينتنا ، وذلك أن رجلًا كان به جذام وانطلق يستحم بماء الحمة وهو يرجو أن ينتفع بذلك ، وكانت له جارية قد تخطاها وجعلها سريته وكانت صبية لها جمال وكان لها أصدقاء كثيرون ، فوثق الرجل بها وهو لا يعلم ووكلها بأشياء كثيرة مما في منزله وخزانته أيضاً ، فلما مضى وأخذ يستعمل الاستحمام في ذلك الماء والجارية معه نزلوا في منزل قريب من موضع يابس مملوء أفاعي فوقعت واحدة من تلك الأفاعي في جرة شراب كانت لهم موضوعة هناك لم يستوثق من رأسها وماتت فيها فظنت تلك الجارية أن هذا سبب جيد لما تريده من قتل مولاها وسقته منه فبرئ كما برئ صاحب الكوخ ، فهذان أمران جريا على التجارب بالاتفاق . وهاهنا أمر ثالث وقع بسببنا نحن وكان قصته على ما أحدثك كان رجل فيلسوف مقدماً على كثير من الفلاسفة قد أصابته هذه العلة ، وكان ذلك يشق عليه ويصعب غاية الصعوبة ويرى أن الموت خير له من الحياة ولم يزل يتعذب وحاله هذه الحال حتى حدثته أنا بما كان من أمر ذينك الرجلين بالاتفاق ، وكان رجلًا بصيراً بالتكهن نافذاً فيه نفاذاً كبيراً ، وكان له مع