ولذلك وجب أن يكون بعدها من جميع أطراف الكيفيات ، لأن الشئ لا يدرك شبيهه ، وإنما يدرك ضده . ولذلك صار فيها من جميع الأضداد أقدار متساوية .
وإذا تقرر لنا هذا ، قسنا سائر أعضاء الإنسان بهذا العضو ، فما كان أصلب منها علينا أن اليبس أغلب عليها مثل العظام والغضاريف والعروق والشعر والأظفار .
وما كان ألين منها علينا أن الرطوبة غالبة عليها ، مثل الدم والبلغم والسمين والشحم والمخ ، وغير ذلك . وبحسب تفاضل الأعضاء في القرب والبعد منها ، يحكم على اختلافها بالزيادة والنقصان في الكيفية الغالبة عليها .
( 59 ) قال : وأنا أرى أن قولي قد بلغ الآن إلى أنفع ما يتكلم فيه . وذلك أنه قد تبين من قولي هذا إن الإنسان أعدل الأشياء الممتزجة من الحيوان وغيره .
فإن الجلدة التي على باطن الكف منه ، أعدل ما فيه من الأعضاء بالحقيقة .
فينبغي أن تحدد في هذا الموضع ، هذا الإنسان الذي مزاجه أفضل الأمزجة . فإن ذلك الإنسان هو الذي نجعله سبارا ، لتعرف أمزجة سائر الناس والحيوان ، وغير ذلك من الأجسام . وذلك أنه الوسط . وهو المعتبر في جميع ما خرج عنه . وإذا كان هذا هكذا ، فقد ينبغي أن نجمع في معرفة هذا المزاج دلائل كثيرة .
وقد وصفنا الدلائل التي تدل على المعتدل في جملة الجوهر ، أعنى في الكيفيات الأول . وأما الدلائل التي تدل على المعتدل بحسب النوع ، فإنا إنما نعرفه باعتبار الأفعال الخاصة بذلك النوع ، مثال ذلك أن فعل الإنسان هو الذهن ، وفعل المزاج المعتدل للإنسان هو جودة الذهن الذي في الغاية ، وفعل الكلب الحماية ، والشدة والمزاج المعتدل فيه هو الذي يكون هذا الفعل فيه أتم ، وبهذا يعتبر فعل الأسد وغيره من الحيوانات . وإنما كانت أفعال كل حيوان تابعة في الجودة
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 96
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٩٦