ابتدائها إلى منتهاها ، خففت الشغل على القوة ، وسلطتها على المادة ، ولم تشغلها بالغذاء الكثيف بل لطفت التدبير ، ولو بترك الطعام أصلًا وخصوصاً في يوم البحران .
وإن رأيت المرض حاداً ليس جداً ، بل حاداً مطلقاً فيجب أن يلطف لا في الغاية إلا عند المنتهى ، وفي يوم البحران خاصة إلا بسبب عظيم ، وإن رأيت المرض مزمناً أو قريباً منَ المزمن ، لم تلطف التدبير فإن القوة لا تسلم إلى المنتهى مع تلطيف التدبير ، لكنه يلزمك مع ذلك في جميع الأصناف أن يكون أول تدبيرك أغلظ ، وآخر تدبيرك الموافي للمنتهى ألطف ، وتتدرّج فيما بين ذلك حتى تكون القوة محفوظة إلى قرب المنتهى ، فهناك ترسل على المادة ولا تشغل بغيرها .
وإذا علمت أن القوة قوية في بما أوجب الحال أن يقتصر على الجلاب ، ونحوه ولو أسبوعاً وخصوصاً في حمّيات الأورام فإن خفت ضعفاً اقتصرت على ماء الشعير ، وإذا أشكل عليك الحال في المرض فلم تعرفه ، فلأن تميل إلى التلطيف أولى من أن تميل إلى الزيادة مع مراعاتك للقوة والاحتمال . والذي زعم أن التغذية والتقوية في المرض الحاد أولى لأنه لا معين للنضج ، وفي يدك الاستفراغ متى شئت فعلته الطبيعة أو لم تفعل ، فقد عرفناك خطأه بل إذا خفت سقوط القوة ، فالتغذية أولى ، ومن الأبدان أبدان مرارية تقتضي تدبيراً مخالفاً لما قلنا ، وخصوصاً إذا كانت معتادة للأكل الكثير ، فإنهم إذا لم يغذوا ، ولو في نفس ابتداء الحمى بل في أصعب منه وهو وقت المنتهى ، لم يخل حالهم من أمرين لأنهم إن كانوا ضعاف القوى ، غشي عليهم فماتوا قريباً ، وإن كانوا أقوياء وقعوا في الذبول وظهرت عليهم علامات الذبول من استدقاق الأنف ، وغور العين ، ولطوء الصدع ، وربما غشي عليهم قبل ذلك لما ينصب إلى معدهم من المرار اللاذع .
ومن الناس من هو موفور اللحم لكنه إذا انقطع عنه الغذاء ضعف وهزل ، فلا يحتمل منع الغذاء ، وكل من حرارته الغريزية قوية جداً كثيرة ، أو حرارته الغريزية ضعيفة جداً قليلة ، فلا يصبر على ترك الغذاء .
ومنهم من يصيبه وجع وألم في معدته ، وصداع بالمشاركة وهؤلاء من هنا القبيل ، وهؤلاء ربما اقتنعوا بماء الشعير ، وربما احتاجوا أن يخلطوا به عصارة الرمان ونحو ذلك ليقوي فم المعدة ، وربما احتجت أن تقيئه بالرفق قبل الطعام ، وكثير من هؤلاء إذا ضعفوا وكاد يغشى عليهم ، فالسبب ليس شدة الضعف بل انصباب المرار إلى فم المعدة .
فإذا سقوا سكنجبيناً ممزوجاً بماء حار كثيراً ، وشراباً ممزوجاً بماء كثير قذف في القذف أخلاطاَ صفراوية ، واستوت قوته فإذا تطعم شيئاً من الربوب القوابض سكن ، والمشايخ والضعفاء ، والصبيان من قبيل من لا يصبر على الجوع .
وأما الكهول فهم شديد والصبر ، ويليهم الشبان وخصوصاً المتلززو الأعضاء الواسعو
القانون في الطب ( طبع بيروت ) — صفحة 42
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٢