رأى ما أطلّ الناس من حدوث الطواعين القاتلة أمر بجمع الأحطاب من شجر الطرفاء والعبهر وغيرهما ، وأمر فأحدق به حول المدينة ، وأمر بأن يلقى عليها كثير من الصموغ الطيبة الروائح كالإسطرك والميعة واللاذن والمصطكي واللبان وما أشبه ذلك ، وأرسلت النيران في تلك الأحطاب فعلا لهيبها في الهواء وانتشر دخانها وتصاعد إلى الجو ، فحلل ما فيه من الغلظ وأزال عنه ما مازجه من الفساد ، فشم أهل المدينة منه هواء صحيحا ، وأمرهم أن يواصلوا ذلك الفعل مدة أيام الفساد ففعلوا ذلك ، فصح لأجل ذلك هواء تلك المدينة وتنسم أهلها ما لا ضرر في تنسمه على أجسادهم وسلموا من الموتان ، فلم يهلك منهم في ذلك الوبأ إلا اليسير ممن استوفى مدته وفني أجله » .
وإذا نظرنا إلى هذا الفعل من وجهة نظر العلم الحالية وجدنا أن أبقراط أراد أن يطهر الجو بالنار وبإضافة مواد ذات روائح طيبة يحرقها في النار ؛ لقناعته أن الروائح الطيبة مضادة في الفعل للروائح الفاسدة والسيئة ، ونحن نعلم أيضا أن إيقاد النيران في مكان ما يولد تيارا هوائيّا شديدا مما يؤدي إلى تغير الهواء بشكل مستمر ، وعملية التهوية هذه مفيدة لتغيير الهواء الفاسد إلى هواء نقي ، وذلك بشكل دائم ومتواصل .
أما أرسطاطاليس فقد تكلم عن هذا الموضوع في كتابه المسائل الطبيعية ، وربط بين كثير من الأمراض ورطوبة الهواء ويبسه ، وحرارته وبرودته ، وتغيره عن حالته الطبيعية ، ورأى أن هذا بدوره يؤثر في الأخلاط التي في داخل الجسم ، فيسبب عفنها وينتج عن ذلك الأمراض المختلفة ، على حسب رأيه ،
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء — صفحة 44
مساهمون: محمد بن أحمد التميمي المقدسي
ص٤٤