يقوم على النظر والتعليل والاستدلال ، ويخلص إلى عدم إمكان التعامل مع أيّ منهما ( البدن والنفس ) على حدة ، وكأنها ( أي المادة ) تؤسس لما نطلق عليه « الطب النفجسمي » .
وهي - رابعا وأخيرا - مادة تعرض في ثناياها - في لفتة ذكية إضافية - لمسائل تتصل بشروط المسكن الصحي ، وسلامة الهواء والماء ، وكأنها تضع قاعدة مبكرة ل « الصحة البيئية » .
أربعة أركان أساسية تجعل من الكتاب كتابا استشرافيّا . نعم كتب في القرن الثالث الهجري ( التاسع الميلادي ) لكنه تجاوز قرنه وسبقه بنحو أحد عشر قرنا !
وأما اللغة فإن لها شأنا آخر ، ليس أقلّ من شأن المادة ، ذلك أنك تشعر - وأنت تقرؤها - أنك أمام لغتك اليوم ، مفردات وتراكيب ، وهي - فوق ذلك - تنساب انسيابا في الوصول إلى عقلك ، فلا ترهقك ، ولا تلتبس عليك ، ألفاظ سهلة تخلو من الحواشي والغريب ، وتراكيب بسيطة لا التواء فيها ، ولا غموض .
وأحسب أنّ ثمة خيرا كثيرا آخر في الكتاب ، إذ « كل الصيد في جوف الفرا » ، هذا الخير يتمثل في أنه يحفل بالمصطلحات الطبية : الجسمية والنفسية ، والوقائية والعلاجية ، والبيئية ، وهي مصطلحات ذاعت بعده لدى الأطباء العرب المسلمين ، ومنهم الرازي ( تلميذه ) وابن سينا وغيرهما .
ومن المعلوم أن منظمة الصحة العالمية من خلال مكتبها الإقليمي لشرق المتوسط تتبنّى مشروعا كبيرا ( معجم المصطلحات الطبية ) يهدف إلى بناء قاعدة مصطلحية عربية ، يكون لها دورها في توحيد لغة العلم العربي ، وتعريب الطب ، وتوطينه . ومثل هذا الكتاب يصبّ - على نحو ما - في
مصالح الأبدان والأنفس — صفحة 8
مساهمون: أحمد بن سهل البلخي
ص٨