الحواسّ ، فيضعف عملها الذي هو الهضم في داخل البدن ، فأمّا في « 1 » اللّيل فإنّها تغور « 2 » - لمكان النوم - إلى داخل الجسد ، وتستبطن فيه ، فيجود الهضم .
ومن الدليل على قوّة الهضم باللّيل أنّا نجد كلّ عضو من الأعضاء إذا أصبح الإنسان قد أخرج فضلته لتمام الانهضام ، وتكون المثانة قد جمعت فضلتها المائيّة ، والأمعاء قد جمعت فضلتها اليابسة ، وكذلك العين بالرطوبة المجتمعة فيها ، وكذلك الأنف ، وكذلك الفم ؛ ولسنا نجد الانهضام بالنهار يفعل مثل ذلك .
فصار العشاء لقوّة هضم اللّيل يزيد في قوّة البدن وإنمائه زيادة ظاهرة ، ويتبيّن بذلك فضل العشاء - لقوّة هضم اللّيل - على الغداء ؛ إلا أنّ العشاء ربّما أضرّ بالعين والرأس ؛ وذلك لأنّه يرتفع لقوّة هضمه وجودته باللّيل أبخرة كثيرة إلى الرأس والعينين فتملؤها ، وتضرّ بها .
فإن أحبّ / أحد من أصحاب النعمة - الذين قلنا : إنّ الأصلح لهم أن يجعلوا طعمهم أكلة واحدة في اليوم واللّيلة - أن يعود في الأكل ؛ فإنّ التدبير الأفضل في ذلك ألا يكون في أكلته الثانية لحم ولا دسومة ، فإنّه لا يكاد يحتمل معدة أحد من أهل النعمة والدعة - وخصوصا الذين ترقّ طبائعهم منهم - أكلتين في اليوم واللّيلة ، يكون في كلّ واحد منهما لحم ، وإنّما يحتمل ذلك معد « 3 » الجفاة الطبائع « 4 » والتركيب من الناس الذين يعتملون الأعمال الشاقّة ، ويتحرّكون الحركات القويّة من الفعلة وأشباههم .
فلذلك يجب على من أحبّ الزيادة عن الأكلة الواحدة ، أو تغلب على
هامش
( 1 ) ساقطة من ب .
( 2 ) أي الحرارة الغريزية ، والغور : القعر من كل شيء . ( القاموس المحيط غ ور 1 / 631 ) .
( 3 ) المعدة ككلمة ، وبالكسر : موضع الطعام قبل انحداره إلى الأمعاء ، ج : معد ، ككتف ، وعنب . ( القاموس المحيط م ع د 1 / 462 ) .
( 4 ) في أ ، ب : الجفاة والطبائع . والواو زائدة .