عدمت الغذاء بطلت ، وإن حمل عليها منه ما لا تحتمله بطلت .
وإذا كانت الحال في الغذاء هذه الحال ، فجدير بمن يعتني بأمر بدنه أن يتحرّى إصابة التدبير الفاضل في معنى الاغتذاء ؛ وذلك بأن يتناول من أنواعه ما يصلح تناوله بالصفة التي ينبغي ، فإنّ هذه المعاني الأربعة هي الأركان في أمر الغذاء ، وما يقع من التدبير فيه .
1 / 5 / 2 : القول في أنواع الأغذية التي يتغذّى بها الإنسان :
وهي ستّة أنواع : اللحمان ، والألبان ، والبيض ، والحبوب ، والثمار ، والبقول . ونحن / واصفون طبيعة كلّ واحد من هذه الأنواع بوصف مجمل ، فنقول :
أمّا اللحوم فإنّها أقوى الأنواع غذاء ، ولذلك صار الحيوان الذي يغتذي اللحم من سباع ذوات الأربع والطير أقوى وأشدّ سورة « 1 » وقهرا لما يغالبه ويصطاده . وكذلك الأمم التي جرت عادتهم من الناس بأكل اللّحمان والاستكثار منها في وجودنا إيّاهم أقوى أبدانا ، وأشدّ بطشا ، وأكثر عناء في المحاربات والمصاولات « 2 » ، كالأتراك ومن أشبههم من أجناس الأمم .
غير أنّ هضم اللحم يصعب إلا على من كانت القوّة الهاضمة منه قويّة ، ولم يكن لصاحبها علّة ؛ ومن أجل ذلك تأمر الأطبّاء - عند اندفاع الناس إلى الأمراض - باحتماء اللحمان وتجنّبها ، علما منهم بعجز العليل عن هضمها .
وطبائع اللحمان مختلفة في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، فبعضها يوجد أخفّ على القوّة الهاضمة ، وبعضها أثقل / عليها ، وكذلك يوجد بعض أعضاء الجسد الواحد من أجساد الحيوان أحرّ ، أو أبرد ، أو أرطب ، أو أيبس ،
هامش
( 1 ) سورة الخمر وغيرها : حدتها ( القاموس المحيط س ور 1 / 578 ) .
( 2 ) صاوله مصاولة وصيالا وصيالة : واثبه ( القاموس المحيط ص ول 2 / 1352 ) .