جديدا ، وفرح بها بعضهم فرح صاحب الحفائر حين يعثر على ضالته بعد جهد . وفي إعجابهم شئ من الشطط . على أن أكثر المستشرقين وخاصة في العهود الأولى للاستشراق أسرفوا في الغض من قدر العلم العربي ، جهلا منهم بحقيقته ، وظنا منهم أنه لم يكن إلا تقليدا للتفكير اليوناني الرائع ، وذهب الكثيرون منهم إلى أن العرب لم يضيفوا إلى هذا التفكير شيئا ذا بال . وكلا الفريقين بعيد عن الصواب .
والمؤرخون العرب أسرفوا في الإشادة بالعلوم العربية وأكثرهم يستشهد في ذلك بأقوال المستشرقين المعجبين بهذه العلوم وحجتهم أن الفضل ما شهدت به الأعداء . وهي حجة لا تمت إلى التحقيق العلمي بسبب .
وكأنهم يقولون إنه ليس على المؤرخ العربي أن يكون أقلّ تقديرا للعلماء العرب من المؤرخ الأجنبي . وهذا أيضا مما لا يروق التفكير العلمي الخالص .
ولا يليق بمؤرخى العلوم العربية أن يلتمسوا عند العلماء العرب ما يدل على أنهم فاقوا العلماء المحدثين . ولا على أنهم أحاطوا بكل ما في التفكير العلمي الحديث من مبادئ . ويزعجنى أن يقول مؤرخ للكيمياء العربية :
إن كتاب جابر بن حيان « في الموازين » يدل على أنه أدرك الأوزان الذرية .
هذا تخريج لا تقبله الأمانة العلمية بحال من الأحوال . ولا يجوز أن تطغى النزعة القومية على الحق والصدق إلى مثل هذا التأويل .
في كل علم قديم ملاحظات دقيقة وحقائق كثيرة . ولكنها لا ترتفع إلى درجة العلم الحق ، وقد يكون في خرافات البدائين ، وفي عاداتهم التي دلهم عليها الإلهام ، ما يتفق في بعض نواحيه مع ما كشف عنه العلم الحديث .
وليس لنا أن نعد ذلك علما بالمعنى المفهوم عادة عند التحدث عن العلم .
البحث في تاريخ العلوم عند العرب يجب أن يتجه اتجاها جديدا ،
كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة — صفحة 130
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص١٣٠