ورده إلى الأطعمة التي كان يألفها ودرّجه في ألطفها قليلا قليلا فتطعمه أولا الأكارع واللحم البائت ليلة وعلى طريق العادة التي كانت لهم وليكن بالعشاء أقوى .
لي : إنه ينبغي للناقة والذي بمعدته سوء مزاج يابس والذي قد شارف الوقوع في الذبول فإن هذا التدبير عام فيهم ، وهؤلاء يحتاجون إلى غذاء كثير وليس يقدرون على استمراء الغذاء المعتدل فضلا عن الكثير فيجب أن يغذو قليلا قليلا شيئا فشيئا في مرات ، فإذا أقبلوا إلى الصحة فاكتف بتغذيتهم في اليوم مرتين ليستمرىء طعامه الأول وينهضم انهضاما محكما قبل أن يتناول الطعام الثاني ، وإذ ذاك كذلك فيجب على هذا أن يكون الطعام الأول ضعيفا خفيفا ليستمرىء وينهضم وينحدر فضلته في أسرع الأوقات ولا تسقهم شيئا حتى يستمرىء الطعام الثاني وينحدر عن معدهم ، فإذا أصبحوا وتبرزوا ومشوا قليلا دلكوا بقدر ما تسخن أبدانهم يركبون ، فإذا نزلوا من الركوب دلكوا أيضا وأدخلوا الحمام قبل انتصاف النهار لتكون بين ذلك الوقت وبين العشاء مدة كافية ، وليكن موضع العليل معتدل الهواء .
قال : وذلك أن تدبير الناقة متوسط بين تدبير الأصحاء والمرضى ، وانح في أموره نحو عادته في كيفية الأطعمة وأوقاتها في الأغذية والأشربة وسائر التدابير ، فإن للعادة حظا ، وليس في تدبير الناقة وحده بل وفي تدبير المريض ، فمن عادته أن ينام نهارا ويسهر ليلا فأجره على ذلك وبالضد ، واعلم أن من الناس من يلحقه الغشي من كشك الشعير فإذا شربه حمض في معدته فاعمل بحسب ذلك وانظر في الزمن .
في أصناف الذبول : واعلم أن سوء المزاج اليابس إذا بلغ الغاية ولو كان في عضو واحد كالمعدة فليس إلى برئه على الكمال سبيل ، لأن هذه المعدة تصير كأنها من معد الشيوخ ، ولهذا تسرع إليهم الآفة من أدنى سبب كالذي يعرض للشيوخ ولا يقدرون على استمراء الطعام على ما يجب فتنهك أبدانهم لذلك ، ومن أصابه هذا السوء مزاج في فؤاده فإنه يؤول إلى الذبول سريعا ، وهذا الذبول يؤول إلى الموت سريعا ، وبعد الذبول الحادث عن المعدة الذبول الكبدي ، فأما الذبول الحادث عن أعضاء أخر فمدته تكون أطول بحسب قلة خطر ذلك العضو ، فأما من يبس جرم فؤاده يبسا يسيرا فإنه يهدمه سريعا وقد يعيش مدة أطول ممن نكأ اليبس فؤاده نكاية شديدة .
وبعد هؤلاء في الطبقة من أصابه ما وصفت في كبده أو في معدته ، ومن أصابه مثل ذلك في واحد من سائر أعضائه هم بعد ذلك ، ومن أصابه مثل هذا اليبس فإنما ذلك من الأشياء التي تفني الرطوبات التي تغذو الأعضاء الأصلية فقط من جنس واحد بعينه .
لي : تدبيره لأمثال هؤلاء طمعا في أن يفيدهم التدبير نفعا مّا وإن قل كما يفعل ذلك بالشيوخ أعني أن يرطبوا .
قال : وكذلك من أصابه اليبس الثالث الذي ذكرناه يعني الذين بهم ابتداء الذبول إلا أنه في الأعضاء القريبة العهد بالجمود بعد ، قال : وأسهل طبقات اليبس وأسرعها برءا اليبس الرابع الحادث عن استفراغ العروق الصغار من الرطوبات التي فيها .
الحاوي في الطب — صفحة 138
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص١٣٨