المجلد الأول
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مقدمة
الحمد للّه رب العالمين وكفى والصلاة والسّلام على المصطفى
تذكر المصادر أن أول عربي درس الطب ومارسه كمهنة هو الحارث بن خلدة ، الذي سافر قبل ظهور الإسلام بقليل إلى بلاد فارس حيث التحق بمدرسة « جنديسابور » الطبية وعاد بعد تخرجه منها ليزاول مهنته في الجزيرة العربية . وكانت هذه المدرسة تدرس الطب على أيدي أطباء يونانيين أسرهم الفرس خلال حروبهم المتعاقبة .
وعندما فتح الإسكندر المقدوني بلاد فارس أمر بتدريس اللغة اليونانية في هذه المدرسة ، مما أتاح للمتعلمين الفرس أن ينهلوا من العلوم اليونانية . وعندما لجأ النساطرة إلى بلاد فارس بعد أن أمر الإمبراطور الروماني « زينو » بإغلاق جامعة « أديسا » الواقعة بالقرب من حلب لمناصرتها للنساطرة ، كانت مدرسة « جنديسابور » في أوج ازدهارها . وقد كانت تلك الجامعة تدرس أسس الطب الأبقراطي نسبة إلى « أبقراط » وفيها تعلم النساطرة اليونانية لغة أسفارهم الدينية ، فتمكنوا نتيجة لذلك من الإلمام بالعلوم الطبية اليونانية .
لقد دعم لجوء النساطرة إلى مدرسة « جنديسابور » النهج الطبي اليوناني فيها ، وهو نهج يعتمد على الملاحظة المستمرة ودراسة الأعراض ومراقبة نتيجة العلاج ، ويعتبر الطب اليوناني على أساسه أول طب حديث عرفه العالم .
ولقد سقطت مدينة جنديسابور في يد المسلمين عام 630 للميلاد ، وحافظت الدولة الإسلامية على معهدها العلمي كأهم مراكزها الطبية ، إلى أن نحتها بغداد ، في العهد العباسي ، عن مكانتها باجتذاب أفضل أساتذتها وطلبتها إليها .
تبرز أسماء أطباء عرب منذ أيام « الحارث بن خلدة » إلى أيام العباسيين . بيد أن العلماء العرب بما فطروا عليه من فطنة وذكاء طوروا العلوم الطبية اليونانية ، التي كان يدرسها أساتذة مدرسة « جنديسابور » في بغداد ، ووسعوها ، فكانت حقا بداية عصرهم الذهبي في مجال العلوم الطبية .
وكان الخلفاء العباسيون ينفقون أموالا طائلة على ترجمة العلوم من اليونانية والسريانية والهندية إلى العربية ، وقد بلغ ذلك أوجه في عهد المأمون الذي أسس كلية خاصة بالمترجمين على نفقة الدولة . ونتج عن ذلك تقدم ملموس في مجالات كثيرة .