فالمحدّثون القميّون عرفوا في سماء الحديث والفقه ، وكفاك أنّ إبراهيم بن هاشم ، وابنه علي بن إبراهيم ، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي ، وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، ومحمد بن أحمد بن عمران الأشعري ، وغيرهم من جهابذة الحديث والفقه خرّيجو مدرسة قم ، وتركوا مصنّفات ثمينة بقيت مصونة عن حوادث الزمان .
لم يبق تألّق نجم العلم في هذه البلدة على منوال واحد ، بل كان له طلوع وغروب مرّة تلو أُخرى ، إلى أن ساق القضاء رجل العلم والفضيلة ، مثال الزهد والتقوى ، آية اللّه العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي - قدّس اللّه سرّه - إليها عام 1340 ه - ، فقام بتأسيس الحوزة العلمية فيها ، ونفض الغبار عن كاهل حوزتها ، ونفث روحاً جديدة في عروقها ، في حين كانت رياح الضلال تعصف في أرجاء العالم كلّه ، ووقعت إيران العزيزة في مهب رياحه ، لكن شاءت الأقدار الإلهية أن تكون تلك الحوزة العلمية سدّاً منيعاً أمام التيارات الإلحادية ، ووتداً راسخاً يحول دون الهزة العلمانية ، فأضحت مناراً فيّاضاً يشع نوراً وهداية في قلب الأُمّة الإسلامية على وجه تمثل قول أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في حقّ هذه البلدة الطيبة : « منها يفيض العلم » .
هبط المؤسس آية اللّه الحائري مدينة قم في 22 من شهر رجب المرجب من شهور عام 1340 ه - ، وتقاطر روّاد العلم إليها من كلّ فجّ عميق ، فانتعش العلم ببركته ، وخرّج طليعة من روّاد العلم والعلماء إلى أن لبّى نداء ربّه في أواخر سنة 1355 ه - ، وبذلك فقدت الحوزة العلمية زعيمها ومؤسسها ، ولكن دام عطاء الحوزة العلمية على يد تلامذته ، فقاموا برعاية الجامعة العلمية بعد رحيله على أحسن ما يرام ، وأخذوا بزمام الأُمور بعزم سديد ، ويد من حديد في جو مشحون بأنواع من المحن والشدائد التي كادت أن تقلع جذور تلك الشجرة المباركة
أدوار الفقه الإمامي — صفحة 321
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٢١