كذلك ، بل كان لسبب أوجب تخصيص الذكر له ، وهو ما ثبت في الحديث من أنّ قوما كذبوا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فزعموا أنّ الذي صامه من شهر رمضان في زمانه كان النقصان فيه أكثر من التمام ، وأنّ أكثر ما يكون شهر رمضان على النقصان ، ثمّ قابلهم آخرون بضدّ مقالتهم فادّعوا أنّه لم يصم إلّا تامّا ، ولا يكون صيامه أبدا إلّا على التمام ، فاقتضت الحال من القول ما هو ردّ على الفريقين فيما اختلفوا فيه من شهر رمضان بعينه ، فلذلك اختصّ الذكر له بما يعمّ غيره من الحكم ، ولو لم يكن السبب في ذلك ما قدّمناه لم يكن اللفظ مختصّا به على ما وصفناه ، ولا خلاف بين المتكلّمين وأهل اللسان أنّه قد يحسن تخصيص المذكور من الحكم بما يعمّ غيره إذا كان لذلك سبب يوجبه وإن قبح عند عدم السبب .
فأمّا الذي رواه محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن محمّد بن يعقوب بن شعيب ، عن أبيه قال : قلت لأبي عبد الله عليه السّلام :
إنّ الناس يقولون : إنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله صام تسعة وعشرين يوما أكثر ممّا صام ثلاثين يوما ، فقال : « كذبوا ! ما صام رسول الله إلّا تامّا ، وذلك قول الله تعالى :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
« 1 » فشهر رمضان ثلاثون يوما ، وشوّال تسعة وعشرون يوما ، وذو القعدة ثلاثون يوما لا ينقص أبدا ، لأنّ الله تعالى يقول :
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً
« 2 » وذو الحجّة تسعة وعشرون يوما ، ثمّ الشهور على مثل ذلك شهر تامّ وشهر ناقص ، وشعبان لا يتمّ أبدا » .
وروى هذا الحديث أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه ، . . . « 3 »
ورواه الكليني محمّد بن يعقوب . . . « 4 »
وهذا الخبر أيضا نظير ما تقدّم في أنّه لا يصحّ الاحتجاج به بمثل ما قدّمناه من أنّه خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ، وأنّه لا يعترض بمثله على ظاهر القرآن والأخبار المتواترة ، وأنّه أيضا مختلف الألفاظ والمعاني ، والخبر واحد والإسناد واحد .
وأيضا فإنّ هذا الخبر يتضمّن من التعليل ما يكشف عن أنّه لم يثبت عن إمام هدى عليه السّلام من ذلك أنّ قول الله عزّ وجلّ :
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً
لا يوجب استمرار أمثال ذلك الشهر
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .
( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 142 .
( 3 ) . الفقيه ، ج 2 ، ص 170 ، ح 2044 .
( 4 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 78 ، باب نادر من كتاب الصيام ، ح 2 .