تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة فقه أهل البيت ( ع ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
منها مع الكتاب والسنّة الثابتة فهو الصحيح ، وما خالف الكتاب والسنة وتقاطع معهما فليس من دين اللَّه ، وما اشتبه علينا أمره في التطابق والتقاطع فنذره ونذر علمه لأهله . وقد وردت في ذلك طائفة من الروايات تؤكّد هذه المنهجية العلمية في تمييز الصحيح من غيره . ولا بد من أن نضيف : إن مهمة عرض الروايات على الكتاب والسنة عمل تخصّصي لا يتأتى إلّا لأصحاب التخصّص من الفقهاء ، كالدراسة السندية للرواية .

قيمة المرأة وموقعها في الكتاب والسنة :

عندما نستعرض آيات القرآن الكريم والسنة الشريفة الثابتة المستفيضة لفظاً أو معنى في قيمة المرأة وموقعها في الإسلام ، نصل من خلال ذلك إلى رسم الإطار العام للتصور الإسلامي الصحيح لقيمة المرأة وموقعها الإنساني في الإسلام . إنّ نظرة واحدة إلى هذه النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة تمكّننا من تمييز ما صح وما لا يصح من الروايات الواردة في موقع المرأة وقيمتها في الإسلام « 1 » .

نظرة في أحاديث نقصان عقل المرأة :

ورد حديث نقصان العقول في المصادر الإسلامية بسند مرسل أو ضعيف ، ولم نجد له طريقاً معتبراً في المصادر الحديثيّة . وقد وجّهه بعضهم : بأن هذه المقولة وردت في خطاب لأمير المؤمنين عليه السلام بعد معركة الجمل . ولكن خصوصية المورد لا تخصص عموم الحكم الوارد في قوله عليه السلام :
هامش
( 1 ) - وإليك هذه الآيات والروايات : عندما نقرأ القرآن الكريم نجد أن اللَّه تعالى يخبرنا أنه خلق الرجال والنساء من نفس واحدة وأعطاهما من مراتب الإنسانية والتقرب إليه تعالى قيمة واحدة ، وجعل التفاضل بينهم على أساس التقوى . وفي ذلك يصرح القرآن بأن اللَّه خلق الرجال والنساء من نفس واحدة :« . . . الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . . . »النساء : 1 ،« وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ . . . »النحل : 72 . وأسكنهما اللَّه تعالى الجنة معاً عند بدء الخلق :« وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما . . . »الأعراف : 19 . فَغَرّهما الشيطان معاً ، ولم تكن المرأة أقرب إلى الشيطان من الرجل ، ولم يكن الشيطان أقوى عليها منه :« فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما .. . فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ . . . »الأعراف : 20 - 22 . وقد أقسم الشيطان أن يغوي أبناء آدم أجمعين رجالًا ونساءً ، ولم يستثنِ منهم إلّا عباد اللَّه المخلصين من الرجال والنساء :« قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ »الحجر : 39 و 40 . ولا سلطان للشيطان على عباد اللَّه ، رجالًا ونساءً ، وإنما سلطان الشيطان على أوليائه :« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . . . »الإسراء : 65 ،« إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ . . . »النحل : 100 . والرجال والنساء في كل ذلك سواء . وكرّم اللَّه الإنسان ، إذ خلقه وسوّاه ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة بأن يقعوا له ساجدين :« فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ »الحجر : 29 ، ولم يخص الرجال بهذا التكريم دون النساء . ووعد اللَّه الأبرار بالنعيم رجالًا ونساءً ، وأوعد الفجار بالجحيم رجالًا ونساءً من غير فرق :« إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ »الانفطار : 13 و 14 . ووعد الذين يعملون الصالحات من الجنسين الجنّة ، يقول تعالى :« وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ . . . »النساء : 124 . وساوى بين الرجال والنساء في العقل والفطرة والخلقة ، وحمّلهما معاً الأمانة الكبرى التي عجزت عنها الجبال الشامخات ( انظر الآية 72 من سورة الأحزاب ) ، وساوى بينهما في الغاية من الخلقة ، وهي العبادة والمعرفة ( انظر الآية 65 من سورة الذاريات ) . وساوى بينهما في الحياة الطيبة والجنة لمن يعمل منهما صالحاً :« مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »النحل : 97 . وساوى اللَّه تعالى بين الجنسين في الاستجابة لدعائهم ، وفي العدل والإحسان إليهما :« فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . . . »آل عمران : 195 . وساوى اللَّه تعالى بين المؤمنين والمؤمنات فيما يؤتيهم من مغفرة وأجر عظيم إذا صلحوا وصلحت أعمالهم ، سواء منهم الذكور والإناث . فاستمع إليه تعالى :« إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً »الأحزاب : 35 . وساوى بين الرجال والنساء ممّن يعمل منهم الصالحات في دخول الجنة ، يقول تعالى :« وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ . . . »النساء : 124 .« . . . وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ . . . »غافر : 40 . وجعل اللَّه الميزان في التفضيل بين الذكور والإناث والشعوب والقبائل : التقوى ، يقول تعالى: « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ . . . »الحجرات : 13 . وبيَّن اللَّه تعالى أنّ الرجال والنساء بعضهم يكمل بعضاً ، وبعضهم يستر بعضاً ، وكل من الجنسين ما لم ينضم إليه الجنس الآخر يعد ناقصاً ، لا يسدّ نقصه إلّا أن ينضم إلى الجنس الآخر ، يقول تعالى :« . . . هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ . . . »البقرة : 187 ؛ أي كل من الجنسين يستر الجنس الآخر ، وكل منهما يحتاج إلى الآخر ، وفي الوقت نفسه يكمله . وقد جعل اللَّه تعالى العلاقة في المجتمع الإسلامي بين أفراد المجتمع - رجالًا ونساءً - علاقة الولاء ، وكل عضو في هذا المجتمع يدخل في شبكة علاقة الولاء ، فيكون بعضهم أولياء بعض نساءً ورجالًا ، يقول تعالى :« فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . . . »: آل عمران : 195 . وقد روي في شأن نزول هذه الآية أن أم سلمة قالت : يا رسول اللَّه ، ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء ؟ فأنزل اللَّه هذه الآية . . . ومعنى الآية الكريمة : « أن بعضكم من بعض في النصرة والدين والموالاة » [ مجمع البيان 2 : 914 ، انتشارات ناصر خسرو ، طهران ] . واعتبر رسول اللَّه النساء والرجال « شقائق » ، وقد تكرّرت هذه الكلمة في حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم . ففي الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّما النساء شقائق الرجال » ، و « إنّما هنّ شقائق الرجال » ، و « إنّ النساء شقائق الرجال » [ السنن الكبرى ( للبيهقي ) 1 : 168 كنز العمال 16 : 482 ، عن كتاب المرأة والثقافة الدينية ( لمهدي مهريزي ) : 22 ] . ومعنى « الشقائق » : أنهن نظيرات للرجال في كل الخصال والقيم الإنسانية كافة ، إلّا ما لا بد فيه من الاختلاف ليتكامل به الجنسان . ويصف الإمام الصادق عليه السلام المرأة المؤمنة التي إذا أنفقت أنفقت بمعروف وإن أمسكت أمسكت بمعروف ، بأنها من عُمّال اللَّه : « فتلك عامل ( عاملة ظ ) من عمّال اللَّه ، وعامل اللَّه لا يخيب ولا يندم » [ وسائل الشيعة 14 : 15 ، ح 6 ] . وجاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : لي زوجة ، إذا دخلتُ تلقّتني ، وإذا خرجتُ شيّعتني ، وإذا رأتني مهموماً قالت لي : ما يهمك ؟ إن كنت تهتم للرزق فقد تكفل لك به غيرك ، وإن كنت تهتم لأمر آخرتك فزادك اللَّه هماً . فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إن للَّه عُمّالًا ، وهذه من عُمّاله ، لها نصف أجر شهيد » [ وسائل الشيعة 14 : 17 ، ح 14 ] .