سنان بعبارة « . . . أما إنه حق ، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً . . . وإنّما القسامة حوط يحاط به الناس » « 1 » أو في ممدوحةٍ أو مرسلة أخرى عن زرارة بعبارة : « إنما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم » « 2 » ، هو نوع من التضارب الشديد ( أثناء الفرصة التاريخية الحاصلة من ضعف السلطة الأموية ، وعدم استحكام السلطة العباسية ) ، مع أساليب الهيئة الاستشارية العامة للأمويين عند عمر بن عبد العزيز .
يقول أبو قلابة وضع عمر بن عبد العزيز في أحد مجالسه الرسمية القسامة - باعتبارها أحد أدلة إثبات الدعوى - في معرض الاستشارة العامة ، وعندما وصل الدور إليه ( أبي قلابة ) استطاع هو بأسلوبه القياسي إقناع عمر ابن عبد العزيز بعدم كفاية وجدوى المحاكمة عن طريق القسامة ؛ فكتب بعد ذلك إلى القضاة أنه إذا شهد شاهدان عادلان على القتل جرى القصاص وأما مع خمسين قسماً فلا « 3 » .
وطبيعي أن هذا التضارب ليس بمعنى الاعتراض على الديمقراطية ، بل هو صراع سقراطي مع نزعة التأثر بالعوام التي كانت تضع - لشدة إدمانها على الاستشارة - تنفيذ عقوبة القتل والإعدام وغيرها أمام هيئة استشارية عامة من الفلاحين والتجار وغيرهم ، ويشاء القدر أن يكون قرار العوام قتل سقراط هو الرد على خطاباته الثورية المناوئة لهذا الانصياع الصاخب للعوام . تلك الخطابات التي كانت ضد حالة الانصياع للعوام في الوقت الذي لم يكن فيها أثر للدفاع عن حزب الأقلية الحاكمة أو الطبقة الأرستقراطية المثقفة « 4 » .
فهل يمكن - إذن - التغاضي عن الخلفيات التاريخية لظهور النصوص الروائية ، ولا سيما النصوص الجزائية ، وخوض غمار البحث الفقهي بالتأمل التجريدي في النصوص أعلاه والتفحّص في المضمون التأسيسي للتعابير المذكورة حول مدى الأخذ بالقسامة وأبعادها للحكم بأن القسامة حكم
هامش
( 1 ) - المصدر السابق : 116 ، ح 8 .
( 2 ) - المصدر السابق : ح 7 .
( 3 ) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد 6 : 97 .
( 4 ) - ويل ديورانت ، تاريخ الفلسفة الغربية .