تعطيل هذا الحد لو بنى على هذه الدقة الا شاذا ، صحيح لا ريب فيه ، ولكن لا يمنعنا ذلك عن الحكم به ولعل الشارع المقدس أراد تقليل من يشمله هذه الحدود كما يظهر من عدم قبول الاقرار مهما أمكن ، ورد المقر إلى أهله ، وتوجيه كلماته وتفسيره بما ليس ظاهر كلامه ، إلى غير ذلك من القرائن .
فقد تحصل مما ذكرنا انه لا مناص الا ما ذكره الأصحاب في المسألة من اعتبار الصراحة في الشهادة هنا مع كون تحملها أيضا عن رؤية ، وبه ظهر حال الفرعين من الفروع الثلاثة ، ولا وجه للترديد في ذلك أخيرا حسب ما افاده - قدس سره - في التحرير بعد ما عرفت .
* * * اما الفرع الاخر وهو انه هل يكفى قول الشهود ، انا لا ندري جهة الحلية بينهما أم لا لا بد من التصريح بالعدم ، لا مجرد عدم العلم ، فالحق انه لا ينبغي الريب في عدم كفاية الأول ولزوم الثاني ، وان كان يظهر كفايته من كشف اللثام كما سيأتي ، وذلك لان فعل المسلم لا بد ان يحمل على الصحة ، مضافا إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات .
أضف إلى ذلك كله جريان السيرة المستمرة بأنه إذا رأينا رجلا مع امرأة يعامل معها معاملة الزوج مع زوجته لا يسئل عنه عن سبب هذا المعنى وانها حليلته أم لا ؟
ولا يجب النهى عن المنكر بمجرد عدم العلم بسبب التحليل قطعا ، بل ولا يسئل من ذلك ، وهذا مما جرت سيرة المسلمين عليه في جميع الأعصار والأمصار ، فإذا لم يجب ذلك فلو رآه الشهود يجامعها ليس لهم الشهادة بالزنا بمجرد عدم العلم بسبب التحليل ، والّا وجب النهى عن المنكر في ساير مراتب المعاشرة معها ، وهذا امر ظاهر لا سترة عليه .
نعم العلم بالعدم يحصل من القرائن المختلفة وليس مبنيا على المشاهدة ، لأن عدم وجود سبب للتحليل ليس مما يشاهد .
أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات ) — صفحة 215
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢١٥