وأمّا في المعاملات بالمعنى الأخصّ والأعمّ ، فكان الناس يستمرّون على ما هم عليه إلّا أن يمنعهم الشرع .
والظاهر أنّ كثرة الأسئلة والرّوايات في مباحث العبادات وقلّتها في أبواب المعاملات نشأت من هذا الموقف .
الثّالث : من أين نشأ البيع والشراء بين الناس ؟
لا يسعنا بيان تاريخ معيّن لهذا الأمر ، والثابت إنّه أمر يعود إلى أزمنة غابرة ، ماضية جدّا ، من بدء معرفة الإنسان بشخصه .
فإذا تملّك شخص أشياء من طريق الحيازة وغيرها ، وكانت أكثر من حاجته ، وتملّك آخر شيئا آخر كذلك ، واحتاج كلّ إلى ما في يد الآخر ، أعطاه ممّا في يده في مقابل أخذ ما في يد الآخر - ومن هنا ظهر البيع والشراء - والسعر في ذلك الزمان كان يدور مدار أمور مختلفة أهمّها العرض والحاجة .
وممّا ساعد على استحكام هذا الأمر واستمراره ، أنّ الإنسان فهم بسرعة أنّ إنتاج أمتعة مختلفة من طريق الحيازة أو الزراعة أو الصنعة ( ولو كانت ساذجة جدّا ) مشكل جدّا ، أمّا النوع الواحد أو أنواع قليلة سهل يسير ، لا سيّما فيما يحتاج إلى الخبروية والمهارة ، فإنّ الإنسان لا يتيسّر له المهارة والحذاقة في أمور كثيرة ، ولذا اشتغل كلّ فرد بإنتاج نوع واحد أو أنواع قليلة ممّا يزيد على حاجاته غالبا .
ومن هنا اتّسع أمر المعاملات والإجارات وما شابهها ، ويظهر بأدنى دقّة إنّه لا يدور رحى حياة البشر بدونها ولو يوما ما ، وكلّما كثرت الروابط والعلاقات الاجتماعية وتطوّرت الأجيال والأمم ازدادت أنواع المعاملات وأقسامها ، بين ما كانت في أوّل الأمر معاملات بسيطة وساذجة كما لا يخفى .
الرّابع : الحثّ على التّجارة
ذكر في الحدائق « 1 » مقدّمات للبحث : منها الحثّ على التجارة ، وروى روايات عديدة
هامش
( 1 ) . الحدائق ، ج 18 ، ص 3 .