3 و 4 - التمسك بآية حرمة أكل المال بالباطل :
وقد دلّ الكتاب العزيز على حرمة أكل المال بالباطل
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
« 1 » ، فالفسخ عند الشك في صحته يقع مصداقا لحرمة أكل المال بالباطل ، كما أنّه مصداق لعدم كون التجارة عن تراض .
فقال تعالى شانه :
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
« 2 » .
وقد استدل بصدر الآية على المطلوب تارة وبذيلها أخرى .
امّا الأول : فلأن أخذ أموال الناس بغير رضاهم بعد الانتقال إليهم بعقد من العقود هو أكل للمال بالباطل ، فهو منهي عنه ، فما لم يثبت حق الرجوع شرعا كان الفسخ باطلا ، فهو نظير ما ورد في الآية 188 من سورة البقرة :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ
الخ ، ومثل ذم اليهود في قوله تعالى :
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ
« 3 » .
وأمّا الثاني : فلأن ذيلها يدل على اعتبار كون التجارة عن تراض في جواز الأكل ، ومن الواضح أنّ الفسخ والرجوع من جانب واحد ليس تجارة عن تراض بينهما .
وقد أورد على الوجه الأول بما يسقط الاستدلال بالوجه الثاني أيضا ، وحاصله : أنّ الآية بصدد المنع عن الباطل الواقعي ، لا الباطل العرفي ، فإذا شك في شيء أنّه باطل واقعا وعند اللّه أم لا ؟ لم يجز التمسك بعموم الآية ، لأنّه من قبيل التمسك بعموم العام في الشبهات المصداقية « 4 » .
أقول : وهو عجيب ، لأنّ الأصحاب لا يزالون يحملون الالفاظ الواردة في أبواب المعاملات على مفاهيمها العرفية ، ولولا ذلك لم يجز الاستدلال بالعمومات الواردة فيها مطلقا .
هامش
( 1 ) . سورة النساء ، الآية 25 .
( 2 ) . سورة النساء ، الآية 29 .
( 3 ) . سورة النساء ، الآية 161 .
( 4 ) . مصباح الفقاهة ، ج 2 ، ص 141 .