الشارع لا يرضى بترك تربيتهم ، وهي كالنفقة لهم بل أولى منها ، فيجب إنجازها ، والقدر المتيقّن بعد الحاكم هو المؤمن العادل . وكذا يمكن إثبات ولايتهم استناداً لبعض الأدلّة التي أقمناها لإثبات ولاية الآباء والأجداد عليهم ، كقوله - تعالى - :
( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ )
« 1 » .
وكذا الآيات التي تدلّ على مطلق الإحسان ، كقوله - تعالى - :
( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )
« 2 » بالتقريب المتقدّم « 3 » .
فإنّ دلالتها على الاستحباب بنحو العام تامّ .
ومن أجل أنّ كثيراً من موارد التعليم والتربية مستحبّ ، ولم يكن للأيتام وليّ ، كما أنّه لم يكن في البين حاكم ، فيتوجّه الخطاب إلى الغير ، والقدر المتيقّن منه هو المؤمن العادل .
ويمكن أن يقال : إنّ ترك التربية والتعليم الذي يوجب الانحراف وفساد الأطفال يعدّ في العرف إعانة على الإثم ، فالإهمال فيها حرام ، وفعلها واجب ، والقدر المتيقّن للعمل بهذا الوجوب في مفروض البحث هو المؤمن العادل .
وبالجملة : لا شكّ في أنّ التربية والتعليم للأطفال الذين لا وليّ لهم تكون إحساناً إليهم ؛ لأنّه يوجب جلب المنفعة لهم ورفع الضرر عنهم .
وهكذا يمكن إثبات ولايتهم على تربية الأيتام من أدلّة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ إذ لا يشترط في المأمور والمنهي أن يكون عالماً بالمعصية ، فينكر على المتلبّس بالمعصية بصورة تعريفه أنّها معصية ونهيه عنها ، وكذا المتناول للمعصية ؛ فإنّه ينكر عليه كالبغاة ؛ لأنّ المعتبر ملابسته لمفسدة واجبة
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 2 .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 195 .
( 3 ) راجع المبحث الثالث من الفصل الأوّل في هذا الباب .