والثاني حقّ اللَّه تعالى ، والخروج عن عهدة حقّ الناس أهمّ من حقّ اللَّه تعالى ، فغير ثابت عند جملة من الفقهاء كما تقدّم ، فإنّهم قد ادّعوا أنّه لا دليل على أنّ حقّ الناس أهمّ من حقّ اللَّه تعالى ، ويقدّم عليه عند التزاحم .
وأمّا ما أفاده أخيراً من أنّه لو لم نجزم بأهمّية الدين فيقدّم أداء الدين على الحجّ أيضاً ؛ لأنّه محتمل الأهمّية وكون أحد الواجبين محتمل الأهمّية من جملة المرجّحات في باب التزاحم ، فاورد عليه بأنّه كما يحتمل الأهمّية في الدين ، كذلك يحتمل الأهمّية في الحجّ ؛ وذلك لما ورد في مذمّة ترك الحجّ ، كقوله تعالى في ذيل آية الحجّ :
« وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
( « 1 » ) ، بناءً على أنّ المراد هو الكفر الحاصل بسبب مجرّد الترك ، وكذا ما ورد في بعض الروايات من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا عليّ ، من سوّف الحجّ حتى يموت بعثه اللَّه يوم القيامة يهوديّاً أو نصرانيّاً » ( « 2 » ) .
وكذا ما دلّ على أنّ الحجّ ممّا بني عليه الإسلام ، وغير ذلك ممّا ورد في شأن الحجّ .
وعلى هذا ، فمقتضى القاعدة حينئذٍ هو التخيير ؛ لعدم مزيّة أحدهما على الآخر ( « 3 » ) .
ثمّ إنّ هناك عدّة وجوه تدلّ على تقديم الحجّ على الدين مطلقاً :
1 - إنّ التشديدات الكثيرة الواردة في ترك الحجّ وتسويفه تدلّ على أنّ الحجّ أهمّ من أداء الدين ، فيقدّم عليه ، وإن لم يتيقّن من هذه التشديدات بالأهمّية فلا أقلّ أنّها توجب احتمالها ، وهو يكفي في مقام الترجيح .
وأورد عليه بأنّ ترك أداء الدين مع مطالبة الدائن والقدرة على الأداء بغير المستثنيات يصير داخلًا في الظلم ، والتشديدات على فعل الظلم واللعن على الظالمين لا تكون أقلّ من التشديدات على ترك الحجّ .
هذا ، مضافاً إلى التشديدات على نفس أداء الدين مع المطالبة واليسار .
هامش
( 1 ) آل عمران : 97 .
( 2 ) الوسائل 11 : 32 ، ب 7 من وجوب الحجّ ، ح 3 .
( 3 ) انظر : تفصيل الشريعة ( الحجّ ) 1 : 137 .