وبذلك يظهر أنّ مفاد أخبار من بلغ يتألّف من أمرين : أحدهما : الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد ، والآخر :
الترغيب المولويّ إلى طلب الثواب المعيّن ، كما أشار إلى ذلك الشهيد الصدر ( « 1 » ) .
2 - إنّ بلوغ الثواب إنّما يتحقّق قبل العمل ، وليس فائدة مترتّبة على العمل كي يكون علّة غائيّة داعية إلى العمل .
وبعبارة أخرى : أنّ الداعي والعلّة الغائيّة ما يكون بوجوده العيني مترتّباً على العمل ، وبوجوده الذهني سابقاً عليه ، وبلوغ الثواب ليس فائدة مترتّبة على العمل ولم يتحقّق قبل العمل .
وأجيب عنه بأنّ عنوان البلوغ أو السماع عنوان طريقي لا موضوعيّة له ، فما هو الداعي في الواقع هو تحصيل الثواب البالغ الموعود به .
3 - إنّ حمل النصوص على الإرشاد يستلزم إلغاء خصوصيّة البلوغ ؛ لأنّ حكم العقل بحسن الانقياد لا يختصّ بمورد البلوغ بل يجري في كلّ مورد تحتمل فيه المطلوبيّة وإن لم يكن بعنوان البلوغ .
وأجيب عنه بأنّه لا مانع من اختلاف مراتب الانقياد في الأهمّيّة في مقدار الثواب بالنحو الذي يدركه الشارع ، فلا مانع من اختصاص الانقياد في مورد بلوغ الثواب بمزيّة تقتضي الوعد بتمام الثواب البالغ وإن لم يتمّ في سائر موارد الانقياد ( « 2 » ) .
ثمّ إنّه قد ذكر بعض الأعلام وجهاً آخر لاستفادة الاستحباب النفسي من أخبار من بلغ ، وهو أنّ قوله عليه السلام : « فعمله » جملة خبريّة واقعة موقع الإنشاء ، وعليه فالجملة تفيد الأمر ، وتكون بمنزلة قوله : ( فاعمل ) الدالّ على المطلوبيّة والبعث ( « 3 » ) .
ويرد عليه : أنّ الجملة الخبريّة إنّما تدلّ على الأمر والمطلوبيّة إذا كانت جملة حمليّة أو وقعت موقع الجزاء ، وأمّا إذا كانت شرطاً أو من توابعه كما في المقام حيث إنّ الفاء هنا عاطفة وليست للجزاء ، فلا تدلّ الجملة المزبورة على الأمر والمطلوبيّة ؛ لأنّ الشرط وما هو من توابعه
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : 205 .
( 2 ) المحكم في أصول الفقه 4 : 149 - 150 .
( 3 ) انظر : فوائد الأصول 3 : 412 .