البحث في التعريف الاصطلاحي في جهتين ، إحداهما الاصطلاح الأصولي والثانية في الاصطلاح الفقهي ، وعلى ضوئها نقسّم البحث إلى قسمين : أحدهما يبحث في الاجتهاد بالمصطلح الأصولي والقسم الثاني يبحث في الاجتهاد بالمصطلح الفقهي .
ثانياً - الاجتهاد في المصطلح الأصولي :
مرّت كلمة الاجتهاد بمصطلحات عديدة في تاريخها ، ولعلّ أوّل استعمال لهذه الكلمة على الصعيد العلمي كان للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض المدارس في فقه العامة وسارت على أساسها ، ومفادها : أنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً ولم يجد نصّاً يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد ، بمعنى إعمال رأيه وظنّه الشخصي بدلًا عن النص .
والاجتهاد هنا يعني الظن أو الرأي الشخصي للفقيه فيما يرجح عنده من تشريع .
والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلًا من أدلّة الفقيه يستند إليه في حالات عدم توفّر النص من الكتاب والسنّة في بعض المذاهب .
وقد لقي هذا المعنى للاجتهاد معارضة شديدة من قبل أئمّة أهل البيت عليهم السلام وفقهاء مدرستهم .
وقد استمر استخدام هذه الكلمة بهذا المعنى إلى القرن السابع ، ولكنها تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ، ولعلّ أقدم نص شيعي يعكس هذا التطور هو كتاب ( المعارج ) للمحقق الحلّي ( ت 676 ) ، إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد :
« وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع اجتهاداً ؛ لأنّها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر ، سواء كان ذلك الدليل قياساً أو غيره . . . فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليست أحدها القياس » ( « 1 » ) فالاجتهاد بهذا المعنى يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي ، حيث لم يعدّ الاجتهاد مصدراً من مصادر الاستنباط ، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره نفسها التي يمارسها الفقيه .
وقد مرّ هذا المعنى للاجتهاد بتطور آخر ، فبعد أن حدّده المحقق الحلّي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص ، اتسع نطاقه فيما بعد ليشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضاً .
ولم يقف توسع الاجتهاد كمصطلح عند هذا الحدّ بل شمل في تطور حديث عملية الاستنباط بكل ألوانها ، فدخل فيه كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو على تعيين الموقف العملي مباشرة ( « 2 » ) ، حيث عرّفه
هامش
( 1 ) ( ) معارج الأصول : 179 .
( 2 ) ( ) انظر : المعالم الجديدة في الأصول : 28 . التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 20 . دروس في علم الأصول 1 : 46 - 50 .