في نفسه إلّا أنّه يتوقّف على فعل الحرام أو ما يلازمه ( « 1 » ) كإجارة الجنب أو الحائض لكنس المسجد ( « 2 » ) الذي يتوقّف على مكثهما فيه ، وهو محرّم ؛ لأنّه مع الحرمة يتعذّر على المستأجر شرعاً ، فيكون كالممتنع عقلًا ( « 3 » ) .
ونوقش بأنّ الإمكان العقلي ما دام محفوظاً في المقام فلا موجب لاشتراط أكثر من ذلك في الحكم الوضعي بصحة المعاوضة وحصول التمليك والتملّك ( « 4 » ) .
وقد يتمسّك للمشهور بأنّ عدم التمكن من الانتفاع لمانع شرعي كالحيض يجعل العمل متعذر التسليم ( « 5 » ) ، وقد تقدم أنّ الغرض النوعي في المعاوضات عند العقلاء هو إمكان التسليم والاستيفاء للمال أو العمل ، فمع تعذّره قانوناً وشرعاً لا يكون الغرض المذكور محفوظاً ، فيبطل العقد .
ومن المعلوم أنّ الوثوق والجزم بالغرض النوعي شرط عند العقد وإلّا كان غررياً وباطلًا .
ونوقش فيه ( « 6 » ) بأنّ ذلك قد يتم في غير فرض الوثوق بالاستيفاء ، وأمّا مع فرض الوثوق والعلم بذلك فانّه لا موجب لبطلان العقد ، كما لو علم المستأجر بأنّ الأجير ممن يقدم على المعصية جزماً ، أو كان يعتقد طهارة المرأة عند الإجارة على الكنس فاتفق الحيض ، فانّه في مثل ذلك لا انتفاء للغرض النوعي ، كما لا غرر في البين ، فلا موجب لبطلان العقد . كما أنّه إذا لم يعصِ الأجير ولم يرتكب مخالفة في تحصيل المنفعة فانّه لا ضير في عدم القدرة على التسليم كذلك ، فيكون للمستأجر حينئذٍ خيار الفسخ على القاعدة ( « 7 » ) .
وكذا استدل بعض الفقهاء بأنّ الاشتراط المذكور يؤول إلى اشتراط الإباحة ( « 8 » ) التي يكون مرجعها إلى فقد المملوكية ، فإنّه بعد الحظر الشرعي لا يكون الدخول في العمل مباحاً ، ومن ثمّ لا يكون مملوكاً ليتمكّن من تسليمه .
وأجيب عنه بأنّ الفعل المستأجر عليه مباح بحسب الفرض ، وإنّما الحرام ما يلازمه وهو خارج عن الإجارة ، والحرمة لا تسري من أحد المتلازمين إلى الآخر كما هو محقق في محلّه من علم الأصول .
واستدلّ له بعض آخر ( « 9 » ) بعدم شمول دليل
« أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
لمثل هذا العقد ، فإنّ وجوب الوفاء به مطلقاً وبلا قيد مناقض للحرمة ومقيّداً بفرض العصيان المحرّم اللازم بنحو الترتّب وإن كان معقولًا بناءً على إمكان الترتّب ، إلّا أنّه لا يمكن استفادته من خطاب
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
. وهذا النحو من الاستدلال قد تقدمت المناقشة فيه ( « 10 » ) في بحث سابق .
هامش
( 1 ) العروة الوثقى 2 : 576 . المنهاج ( الحكيم ) 2 : 107 . المنهاج ( الخوئي ) 2 : 81 ، م 374 .
( 2 ) صرّح الفقهاء ببطلان إجارة الحائض والجنب لكنس المسجد . القواعد 2 : 288 . التذكرة 2 : 298 ( حجرية ) . جامع المقاصد 7 : 137 . جواهر الكلام 27 : 311 .
( 3 ) انظر : رسالة الإجارة ( البهبهاني ) : 74 ( مخطوط ) .
( 4 ) المنهاج ( الحكيم ) 2 : 107 - 108 ، التعليقة رقم 4 .
( 5 ) التذكرة 2 : 298 ( حجرية ) . جامع المقاصد 7 : 137 .
( 6 ) بحوث في الفقه ( الإجارة ) : 267 .
( 7 ) مستند العروة ( الإجارة ) : 48 .
( 8 ) رسالة الإجارة ( البهبهاني ) : 68 ( مخطوط ) ، حيث قال : « أمّا بطلان إجارة الحائض والجنب لكنس المسجد فإنّما هو لعدم إباحة المنفعة وعدم ملكيتها ، لا لعدم القدرة على التسليم » . وان قال في مسألة مستند اشتراط إباحة المنفعة ( 74 ) : « بأنّ القدرة على تسليمها واستيفاء المنفعة من العين غير حاصلة ؛ إذ المانع الشرعي كالعقلي وهو شرط في صحة الإجارة إجماعاً » . مستند العروة ( الإجارة ) : 49 .
( 9 ) مستند العروة ( الإجارة ) : 50 .
( 10 ) الإجارة ( الشاهرودي ) 1 : 114 .