أضف إلى ذلك اتساع الثقافات والحضارات والاتصالات بين الشعوب والأمم ، مما جعل العالم المعاصر يرتبط أقصاه بأدناه ، وصارت ثقافة الأمّة - أيّة أمّة - ملكاً طلقاً وحقّاً عامّاً للجميع عبر مختلف وسائل النقل والاتّصال ، الأمر الذي يدعو الإنسان المعاصر - فضلًا عن العالِم المعاصر - إلى مواكبة الحركة العلمية والفكرية والثقافية وتطورها من حوله ، ليعرف حضارات الشعوب وثقافاتها المتباينة .
وعنصر آخر يفرض نفسه ويُلقي بشبحه المخيف بشكل دائم هو محدودية العمر البشري ، فإنّ هذه الذخيرة لا بد أن تقف يوماً عند نقطة الانتهاء . وهذا ما يشير إليه قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « خذوا من كل علم أرواحه ، ودعوا ظروفه ، فإنّ العلم كثير والعمر قصير » « 1 » .
وقيل أيضاً : « لو أوتي الإنسان عمر نوح ، وأموال قارون على أن يجمع العلم لما استطاع » .
وعليه ، فإذا أراد الإنسان أن يوازن بين هذه القضايا المتفرقة ( غريزة حب الاطلاع ، تشعّب العلوم وتضخمها ، اتساع الثقافات وتوارد الحضارات ، محدودية العمر البشري والإمكانات ) ، فلا بد إذن من صياغة أو طريقة توفّق بين جميع تلك القضايا .
وتعتبر دوائر المعارف المعاصرة هي الصياغة المثلى التي تتكفّل بالإجابة على ما تقدم ، فهي خير دليل للوصول بالباحث أو القارئ المثقّف إلى ما يريده من معلومات في مختلف أبواب الثقافة والعلم بطريقة يسيرة ، وحسبه في ذلك القيام بحركة بسيطة لتناول الكتاب ثمّ العثور على مطلوبه . وقد أطلق على هذا النمط من التدوين اسم « دائرة المعارف » أو « الموسوعة » ، وبهذا تكون دوائر المعارف قد أسدت خدمة علمية جسيمة ، وقدّمت متاعاً فكرياً ضخماً لروّاد العلم والمعرفة ، ذلّلت به صعباً ، وقرّبت به قاصياً ، واختزلت به جهداً .
وبالطبع فإنّ وجود هذا الطرز من المصادر لا يلغي دور وأهميّة المصادر الام في كل علم من العلوم . وبكلمة أكثر وضوحاً إنّها لا تُلغي دور البحث والتحقيق ، بحيث تعزل الباحث المحقق
هامش
( 1 ) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ( الحلواني ) : 9 .