يد الغير عمداً أنّه يخدّر وتقطع يده بعملية جراحية ثمّ توصل فوراً أيضاً ويكون هذا قصاصاً ومماثلًا لما فعله بالمجني عليه الذي جعله أقطع ، والذي تحمّل مرارات ألم القطع الشديدة ، فهل يمكن قبول هذا عرفاً في القصاص ؟
فالحاصل : المثلية في القصاص في أصل الإيلام والأذى بالمقدار الذي تقتضيه طبيعة الجناية الواقعة عادة وعرفاً يمكن استفادتها تارة : من نفس عنوان القصاص بعد تحكيم مناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفاً وعقلائياً لمثل هذا الحكم عليه .
وأخرى : من بعض الأدلّة المتعرّضة لحكم القصاص :
منها : قوله تعالى : «
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
( « 1 » ) فإنّ هذه الآية بقرينة ما في ذيلها من ذكر العفو ناظرة إلى قصاص الأفراد بعضهم من بعض ، والتعبير عنه بالسيئة - مع أنّ القصاص ليس سيّئة بل حقّ - للازدواج أو لأنّها تسوء من تنزل به ، والمعنى أنّه يجب فيما إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة أو تجاوز عمّا فعل به ، فتدلّ الآية الشريفة على أنّ مقدار المماثلة من حقّ المجني عليه ، ولا شكّ أنّ أصل الإيلام والأذى في قبال أن لا يتأذّى أصلًا بالتخدير داخل في ذلك .
ومنها : قوله تعالى : «
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ »
( « 2 » ) والاستدلال بها كالاستدلال بالآية السابقة .
ومنها : قوله تعالى : «
فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً »
( « 3 » ) ، والظاهر من الآية أنّ حدّ السلطنة المجعولة للولي ومقدارها أن لا يسرف في القتل بأن يقتل أزيد أو غير قاتله أو يمثّل بالقاتل حال قتله . هكذا فسّرت
هامش
( 1 ) ( ) الشورى : 40 .
( 2 ) ( ) النحل : 126 .
( 3 ) ( ) الإسراء : 33 .