فإنّي قد رأيت المصنّفين يحيلون كثيرا من الأمور إلى الحاكم في زمن الغيبة ويولّونه فيها ، ولا يذكرون عليه دليلا ، ورأيت بعضهم يذكرون أدلّة غير تامّة ، ومع ذلك كان ذلك أمرا مهمّا غير منضبط في مورد خاصّ .
وكذا نرى كثيرا من غير المحتاطين من أفاضل العصر وطلّاب الزمان إذا وجدوا في أنفسهم قوّة الترجيح والاقتدار على التفريع ، يجلسون مجلس الحكومة ويتولّون أمور الرعيّة ، فيفتون لهم في مسائل الحلال والحرام ، ويحكمون بأحكام لم يثبت لهم وجوب القبول عنهم ، كثبوت الهلال ونحوه ، ويجلسون مجلس القضاء والمرافعات ، ويجرون الحدود والتعزيرات ، ويتصرّفون في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء والغيّاب ، ويتولّون أنكحتهم ، ويعزلون الأوصياء ، وينصبون القوّام ، ويقسّمون الأخماس ، ويتصرّفون في المال المجهول مالكه ، ويؤجرون الأوقاف العامّة ، إلى غير ذلك من لوازم الرئاسة الكبرى .
ونراهم ليس بيدهم فيما يفعلون دليل ، ولم يهتدوا في أعمالهم إلى سبيل ، بل اكتفوا بما رأوا وسمعوا من العلماء الأطياب ، فيفعلون تقليدا بلا اطّلاع لهم على محطّ فتاويهم ، فيهلكون ويهلكون ، أأذن اللّه لهم أم على اللّه يفترون ؟ ! فرأيت أن أذكر في هذه العائدة الجليلة وظيفة الفقهاء ، وما فيه ولايتهم ، ومن عليه ولايتهم على سبيل الأصل والكليّة .
ولنقدّم أوّلا شطرا من الأخبار الواردة في حقّ العلماء الأبرار ، المعيّنة « 1 » لمناصبهم ومراتبهم ، ثمّ نستتبعه بما يستفاد منها كليّة ، ثمّ نذكر بعد ذلك بعض موارد هذه الكليّة .
فهاهنا مقامان :
المقام الأوّل في ذكر الأخبار اللائقة بالمقام :
فنقول : إنّ الأخبار في ذلك كثيرة جدّا ، إلّا أنّا نذكر شطرا منها .
هامش
( 1 ) . في بعض النسخ : المثبتة .