وإليك دراسة الأقوال :
أمّا القول الأوّل : الذي هو خيرة أبي حنيفة وتلميذه محمد بن الحسن الشيباني ، ويظهر من التعليل كونه مسلّما بين الأصحاب وهو صريح السيد الطباطبائي ، فهو غير تام لما عرفت من الشيخ في الخلاف من أنّ المالك لم يفسح له في القراض أكثر من المال الذي قدّمه إليه ، وأمّا الزائد عنه أي اشتغال ذمته بشيء آخر ، فهو لم يأذن به لا تصريحا ولا تلويحا فكيف يصح له ؟
أمّا القول الثاني : أعني ما نقل عن « مالك » فهو بيّن الإشكال لأنّه يستلزم كون الشراء مرددا في نفس الأمر بين المالك والعامل ، غاية الأمر أنّه إذا قبله المالك بدفع الثمن ، يقع البيع له وإلّا يتعلق الثمن بذمة العامل ، ويقع البيع له وهو غير معقول ، لأنّ البيع تبديل مال بمال ، والمال الثاني بما أنّه كلّي إنّما يكون مالا إذا أضيف إلى ذمة معينة ، وإلّا لا يسمى مالا . والثمن الكلّي المردّد ثبوتا بين الذمتين لا يكون مالا .
وأمّا القول الثاني الذي هو خيره الشيخ الطوسي فهو أيضا غير تام وما استدلّ به إنّما يفي بنفي وقوعه للمالك ولا يثبت كونه للعامل فلاحظ كلامه .
والحق أن يقال : ليس هنا تكليف لا على المالك ولا على العامل بنقد الثمن من غير مال المضاربة المفروض هلاكه ، فإذا كان البيع مقيّدا بكونه مضاربة ولم يمكن الوفاء به بطل العقد لا لخلل في أركان العقد ، بل لأجل عدم إمكان الوفاء به ، كما إذا باع مالا كان يحمل بالسفينة ، وغرق قبل التسليم .
هذا حسب الثبوت ولو كان المشتري واقفا على نية العامل أو صدر التصريح من العامل عند الشراء لم يكن له طلب الثمن منهما . نعم لو لم يذكره أو لم يقف البائع على نيته ، تعلّق الثمن بذمته ظاهرا وإن كان فاسدا في نفس الأمر .
نظام المضاربة في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 37
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٧