تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
ومجرد قوله : (
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
) لا يكفي في جعل إيمانهم متعلّقاً للكذب ، إذ عندئذ يجب أن تتعرض الآية إلى إيمان تلك الشرذمة وصدور ما يوجب ظنّ الرسل بخلاف ما تظاهروا به حتى يصح أن يقال إنّ الرسل ظنوا انّ المتظاهرين بالإيمان قد كذبوا في ادّعاء الإيمان بالرسل . أضف إلى ذلك : إنّ هذه الإجابة لا تصحّح العصمة المطلقة للأنبياء ، إذ على هذا الجواب يكون ظن الرسل بعدم إيمان تلك الشرذمة القليلة خطأً ، وكان ادّعاؤهم للإيمان صادقاً ، وهذا يمس كرامتهم من جانب آخر ، لأنّهم تخيّلوا غير الواقع واقعاً ، والمؤمن كافراً . على أنّ ذلك الجواب لا يناسب ذيل الجملة فانّه سبحانه يقول بعد تلك الجملة : (
جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ
) مع أنّ المناسب على هذه الإجابة أن يقول : « بل تبين للرسل صدق ادّعاء المؤمنين
فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
» .

الثاني : انّ معنى الآية : ظن الأُمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر اللّه إيّاهم وإهلاك أعدائهم

وهذا الوجه هو المروي عن سعيد بن جبير واختاره العلّامة الطباطبائي ، فالآية تهدف إلى أنّه
إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ
من إيمان أُولئك الناس ، هذا من جانب ومن جانب آخر ظنّ الناس - لأجل تأخر العذاب - انّ الرسل قد كذبوا ، أي أخبروا بنصر المؤمنين وعذاب الكافرين كذباً ،
جاءَهُمْ نَصْرُنا ، فَنُجِّيَ
بذلك
مَنْ نَشاءُ
وهم المؤمنون ،
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا
أي شدتنا
عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
. وقد دلّت الآيات على أنّ الأُمم السالفة كانوا ينسبون الأنبياء إلى الكذب ،
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 298 | الشيخ جعفر السبحاني