الثالث ، أعني علم الحاكم ، الذي هو حجّة بذاته ، وهو أقوى الطرق ، بل ما سلكه من عدم ذكر الطريق الثالث كان شيئاً متعارفاً في كلام قدماء الأصحاب .
ونحن قد بحثنا عن مسألة علم الحاكم في مبحث ما يثبت به الزنا « 1 » بما لا مزيد عليه ، وذكرنا الأقوال والأخبار الواردة ، ورجّحنا هناك جواز حكم القاضي بمقتضى علمه .
والمراد بالعلم هو الاطّلاع الجازم المستند إلى الحسّ أو الحدس القريب من الحسّ ، الحاصل من الطرق العاديّة والقرائن العلميّة ، دون مثل الإلهام والكشف وغيرهما .
أجل ، نحن ذهبنا بمقتضى إمعان النظر في بعض الأحاديث الواردة في أبواب الزنا واللواط والمساحقة إلى استثناء العلم الحاصل للقاضي بالجرائم الأخلاقيّة الجنسيّة ، وقلنا : إنّه لا يجوز للقاضي العمل بعلمه في تلك الجرائم ، بل كان للإقرار بها أو شهادة الشهود عليها موضوعيّة في تنفيذ الحكم .
ومن المؤسف عليه أنّ فقهاءنا رحمهم الله قد غفلوا عن ذكر هذا الطريق ، أعني علم الحاكم في إثبات جريمة الشرب ، وقد حذوا في ذلك حذو القدماء ، مع أنّ مشهورهم قد اعترفوا بحجّيّته وأثبتوها مراراً .
نعم ، ذهب من العامّة المالكيّة والحنابلة إلى عدم جواز قضاء الحاكم بعلمه ، وهذا أحد قولي الشافعيّ . وفرّق أبو حنيفة بين حقوق اللَّه تعالى فلا يحكم فيه القاضي بعلمه ، وبين حقوق الناس فيحكم طبقه في ما إذا حصل علمه في زمن ولايته دون ما إذا حصل قبله .
والمعتمد عند المتأخّرين من الحنفيّة - وهو المفتى به - عدم جواز قضائه بعلمه مطلقاً في هذه الأزمنة ، وذلك لفساد قضاة الزمان .
وقد نقلنا تفصيل آرائهم حول حجّيّة علم القاضي وعدمه في مبحث طرق إثبات الزنا ، فراجع .
هامش
( 1 ) - راجع : الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، صص 244 - / 251 - وراجع أيضاً : فقه القضاء ، ج 1 ، صص 290 - / 307 .