وعلّله الشهيد الثاني رحمه الله بأنّه حيث علم التحريم كان من حقّه أن يمتنع عنه . « 1 »
وببيان آخر : إنّ العقوبة ليست حكماً تكليفيّاً حتّى يتوقّف تنجّزه على العلم بها ، بل هي من وظائف الإمام ، فإذا علم التحريم وخالف فيجب على الإمام أن يحدّه لأدلّته .
ولكن يظهر من كلام الشهيد الثاني رحمه الله في حاشية الإرشاد أنّه يقبل عذر من ادّعى جهل العقوبة إذا تمكّنت الشبهة في حقّه . « 2 »
ونقل في العامّة عن مالك أيضاً جواز الاحتجاج بجهل العقوبة . « 3 »
أقول : التدبّر في الأخبار الواردة في هذا المجال ربما يؤيّد القول الأوّل ، وإليك نبذة من هذه النصوص :
1 - صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : « لو أنّ رجلًا دخل في الإسلام وأقرّ به ، ثمّ شرب الخمر وزنى وأكل الربا ، ولم يتبيّن له شيء من الحلال والحرام ، لم أقم عليه الحدّ إذا كان جاهلًا ، إلّا أن تقوم عليه البيّنة أنّه قرأ السورة التي فيها الزنا والخمر وأكل الربا ، وإذا جهل ذلك أعلمتُه وأخبرتُه ، فإن ركبه بعد ذلك جلدته وأقمت عليه الحدّ . » « 4 »
ولا يخفى أنّه لم يكن في السور التي فيها آيات الخمر حكم حدّه وعقوبته ، وإنّما كان فيها بيان حرمته .
2 - صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : « قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجلًا دعوناه إلى جملة الإسلام فأقرّ به ، ثمّ شرب الخمر وزنى وأكل الربا ، ولم يتبيّن له شيء من الحلال والحرام ، أقيم عليه الحدّ إذا جهله ؟ قال : لا ، إلّا أن تقوم عليه بيّنة أنّه قد كان أقرّ بتحريمها . » « 5 »
هامش
( 1 ) - مسالك الأفهام ، المصدر السابق .
( 2 ) - حاشية الإرشاد المطبوع ضمن غاية المراد ، ج 4 ، ص 238 .
( 3 ) - التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، ص 505 ، الرقم 584 .
( 4 ) - وسائل الشيعة ، الباب 14 من أبواب مقدّمات الحدود ، ح 1 ، ج 28 ، ص 32 .
( 5 ) - نفس المصدر ، ح 2 .