والالتزام بذلك مشكل ، حيث يلزم منه أن لا يعدّ من توجد فيه ملكة ترك الحرام المعلوم ، واطئاً بالشبهة إذا ارتكب الحرام ظانّاً حلّيّته ظنّاً غير معتبر .
الأمر الثالث : في تعيين هويّة المشتبه
المهمّ هنا تعيين شخص المشتبه من أنّه هل هو العامل أو الحاكم ؟
الظاهر من كلمات الأصحاب أنّ المراد من الشبهة ، هي ما كانت من جانب العامل للحرام لا الحاكم عليه ، حيث إنّ جميع المسائل التي استدلّوا فيها إنّما كانت مرجعها إلى الأحاديث الخاصّة بشبهة العامل .
نعم ظاهر ما مرّ من كلام المولى محمّد تقي المجلسي رحمه الله في تبيين الشبهة أنّها أعمّ حيث قال : « بالشبهات : بكلّ ما اشتبه عليكم حتّى في المسألة ، إذا كانت مشتبهة لتعارض الأدلّة أو لعدمها ظاهراً . » « 1 »
والمراد من شبهة القاضي ، إن كان هو الشكّ وعدم العلم بحيث يكون معنى الحديث حينئذٍ : لا تقضون بالحقّ وأنتم شاكّون في تحقّق موضوعه ، فهذا أمر بديهيّ لا يحتاج إلى تذكرة وتنبيه ، وإن كان بمعنى أنّ الحدود ترفع بمجرّد أدنى شكّ يتعرّض للقاضي وهو في صدد تحقيقه للموضوع بحيث لا يجوز له المضيّ في التحقيق والفحص حتّى يثبت عنده وقوع أصل الجرم ، وفي الحقيقة يكون معناه النهي عن التحقيق من لدن القاضي وجمعه القرائن والشواهد ، فهو أمر يشهد له قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية الماضية عن الترمذي :
« ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله ؛ فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة » « 2 »
هامش
( 1 ) - روضة المتّقين ، المصدر السابق .
( 2 ) - سنن الترمذي ، الباب 2 من أبواب الحدود ، ج 4 ، ص 25 ، الرقم 1424 .