من اختلافهم مذاهب عديدة في الطب وقد عرف المتأخرون من الأطباء أن الحمى ليست مرضا مستقلا بل تكون عرضا لمرض عضو والدليل على ذلك أنه كثيرا ما شوهد في الالتهاب الظاهر سواء كان حمرة أو دملا أو رمدا أو وجع حلق أو ما أشبه ذلك أنه يصحب كلا منها أعراض عامة كتواتر النبض وحرارة الجلد والهبوط العام وتكسر الأطراف وجفاف الفم والعطش ولا نعنى بالحمى الا هذه الاعراض وهي في الحقيقة ناشئة عن التهاب العضو ألا ترى انه متى زال الالتهاب زالت الاعراض التي هي الحمى فعلى ذلك إذا وجدت حمى شديدة ولم يوجد أثر تغير في الظاهر كان ذلك دليلا على التهاب عضو باطنىء وانما كانت الحمى شديدة في الالتهاب الباطني لان الأعضاء الباطنة أهم للحياة من الأعضاء الظاهرة فان قيل من حيث إن الحمى ليست الا دليلا على وجود الالتهاب وسببه هو ان الالتهاب هو زيادة القوة الحيوية كما مر فمن أين يأتي الضعف الشديد الذي يحصل لمن أصيب بالحمى * يقال انما أتى الضعف المذكور من عدم تعادل الأعضاء في القوة الحيوية لان القوى المذكورة متى زادت في العضو نقصت في الآخر فيأتي الضعف من ذلك ولا تكون الصحة جيدة الا إذا تعادلت القوى في الأعضاء وكانت فيها على حد سواء ( واعلم ) أن الضعف المصاحب للحمى ظاهري لا يعول عليه لأنه لو كان حقيقيا لزال الالتهاب والحمى الناشئة عنه بالأدوية الحارة أو المقوية مع أن المشاهد خلافه ولد لك لا يبرأ الالتهاب سريعا الا باستعمال ما يضعفه كالفصد العام والحمية والأشربة المحللة لأنه بذلك تزول القوة الزائدة وبزوالها تزول الاعراض ويحصل الشفاء * وانما غلط من غلط من الأطباء المتقدمين لعدم وقوفهم على ما تحقق الآن من الأصول فكانوا يعالجون الحمى بالأدوية المقوية ولذلك كان لا يبرأ على أيديهم الا القليل بخلاف ما عليه الأطباء الآن فإنهم يعالجون بمضادات الالتهاب فلذلك نجح سعيهم وشفيت على أيديهم خلق كثير وما ذاك الا بوقوفهم على الحقيقة فصادف علاجهم محلا
* ( الفريدة الثانية في الحمى الدورية )
غالب أسباب هذه الحمى يكون من أبخرة مناقع الماء كالبرك والآجام فلذلك تكثر في الأماكن الرطبة التي تكون المياه المذكورة كثيرة فيها لا سيما في مصرفى آخر النيل وانما سميت دورية لأنها تاتى على نوب كل نوبة مركبة من أدوار ثلاث دور البرودة ودور الحرارة ودور العرق والمدة التي تكون بينها اما منتظمة أو غير