وقد مدح القرآن الحكيم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً وعموماً من هذه الجهة ، أما مدحه الخاص ، فقد قال سبحانه :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
« 1 » .
وأما مدحه العام فقوله سبحانه :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
« 2 » .
وكلمة : لهم تشمل المسلمين وغير المسلمين ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ليّنا حتى مع الكفار كما كان ليّنا مع المسلمين .
وأما قوله تعالى :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
فإنه استثناء ، وفي موارد تقتضي الشدة كميدان الحرب - مضافا إلى ما ورد في تفسير الآية من المقصود بالشدة -
فإنّ الشدة في الحرب تكون كالعملية الجراحية وفي حالات الضرورة القصوى وبقدر خاص لا يتجاوز عنه حتى بقدر شعرة ، تقول الآية الكريمة :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
« 3 » وسيرته صلى الله عليه وآله وسلم العطرة خير دليل على ذلك ، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم أعطى الماء لأهل بدر « 4 » ، وأرسل بالذهب إلى أهل مكة بعد حرب خيبر ، وأطلق كثيرا من أسرى الكفار مباشرة أو تسبيباً ، وعفا عن أهل مكة « 5 » إلى غيرها من القصص الكثيرة التي تدل على عدم معاملة الكفار معاملة عنيفة .
كما أنه يدل على ذلك عموماً قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » « 6 » ، ولم يخصص ذلك بالمسلمين فحسب بل سيرته الطاهرة وفي قصص كثيرة تدل على الشمولية وعدم الاختصاص .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 128 .
( 2 ) سورة آل عمران : 159 .
( 3 ) سورة الفتح : 29 .
( 4 ) شرح نهج البلاغة : ج 14 ص 122 ف 3 قصة غزوة بدر .
( 5 ) راجع قرب الإسناد : ص 170 ، وفيه : وأهل مكة كانوا أسرى فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : « أنتم الطلقاء » ، للتفصيل راجع كتاب ( ولأول مرة في تاريخ العالم ) للإمام المؤلف ( أعلى الله مقامه ) .
( 6 ) بحار الأنوار : ج 68 ص 382 ح 17 .