التنبيه الثانى - الانصراف
اشتهر ان انصراف الذهن من اللفظ إلى بعض مصاديق معناه أو بعض أصنافه يمنع من التمسك بالإطلاق ، و ان تمت مقدمات الحكمة ، مثل انصراف المسح فى آيتى التيمم و الوضوء إلى المسح باليد و بباطنها خاصة .
و الحق ان يقال : ان انصراف الذهن ان كان ناشئا من ظهور اللفظ فى المقيد ، بمعنى ان نفس اللفظ ينصرف منه المقيد لكثرة استعماله فيه و شيوع ارادته منه ، فلا شك فى انه حينئذ لا مجال للتمسك بالإطلاق ، لأن هذا الظهور يجعل اللفظ بمنزلة المقيد بالتقييد اللفظى ، و معه لا ينعقد للكلام ظهور فى الإطلاق حتى يتمسك بأصالة الإطلاق التى هى مرجعها فى الحقيقة إلى أصالة الظهور .
و اما إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ ، بل كان من سبب خارجى ، كغلبة وجود الفرد المنصرف إليه أو تعارف الممارسة الخارجية له ، فيكون مألوفا قريبا إلى الذهن من دون ان يكون للفظ تأثير فى هذا الانصراف ، كانصراف الذهن من لفظ الماء فى العراق - مثلا - إلى ماء دجلة أو الفرات ، فالحق انه لا أثر لهذا الانصراف فى ظهور اللفظ فى اطلاقه ، فلا يمنع من التمسك بأصالة الإطلاق ، لأن هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم إرادة المقيد بخصوصه من اللفظ . و لذا يسمى هذا الانصراف باسم الانصراف البدوى لزواله عند التأمل و مراجعة الذهن .
و هذا كله واضح لا ريب فيه . و إنما الشأن فى تشخيص الانصراف انه من أى النحوين ، فقد يصعب التمييز أحيانا بينهما للاختلاط على الانسان فى منشأ هذا الانصراف . و ما اسهل دعوى الانصراف على لسان غير المتثبت ، و قد لا يسهل اقامة الدليل على انه من أى نوع .
فعلى الفقيه ان يتثبت فى مواضع دعوى الانصراف ، و هو يحتاج إلى ذوق عال و سليقة مستقيمة . و قلما تخلو آية كريمة أو حديث شريف فى مسألة فقهية عن
أصول الفقه ( فارسى ) — صفحة 332
مساهمون: الشيخ محمد رضا المظفر
ص٣٣٢