قالَ لَهُ : عُذْتَ بِمَعاذٍ ، ما شَأنُكَ ؟ !
قالَ : سابَقْتُ وَلَدَ عَمْرِو بْنِ العاصِ بِمِصْرَ فَسَبَقْتُهُ ، فَجَعَلَ يُعَنِّفُني بِسَوْطِهِ وَيَقولُ : أنَا ابْنُ الأكْرمَيْنِ ! وَبَلَغَ أباهُ ذَلِكَ فَحَبَسَني خَشْيَةَ أنْ أقْدُمَ عَلَيْكَ .
فَكَتَبَ إلَى عَمْرٍو : إذا أتاكَ كِتابي هَذا فَاشْهَدِ المَوْسِمَ أنْتَ وَابْنُكَ !
فَلَمّا قَدِمَ عَمْرٌو وَابْنُهُ ، دَفَعَ الدِّرَّةَ إلَى المِصْريِّ وَقالَ : اضْرِبْهُ كَما ضَرَبَكَ !
فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ وَعُمَرُ يَقولُ : اضْرِبِ ابْنَ الأميرِ ! اضْرِبِ ابْنَ الأميرِ ! يُرَدِّدُها حَتَّى قالَ : يا أميرَ المُؤْمِنينَ ! قَدِ اسْتَقَدْتُ مِنْهُ .
فَقالَ - وَأشارَ إلَى عَمْرٍو - : ضَعْها عَلَى صَلْعَتِهِ !
صَلِعَ يَصْلَعُ صَلَعاً ، أي سَقَطَ شَعْرُ رَأسِهِ ، فَهُوَ أصْلَع .
فَقالَ المِصْريُّ يا أميرَ المُؤْمِنينَ ! إنَّما أضْرِبُ مَنْ ضَرَبَني !
فَقالَ : إنَّما ضَرَبَكَ بِقُوَّةِ أبيهِ وَسُلْطانِهِ ؛ فَاضْرِبْهُ إنْ شِئْتَ ؛ فَوَ اللهِ لَوْ فَعَلْتَ لَما مَنَعَكَ أحَدٌ مِنْهُ حَتَّى تَكونَ أنْتَ الَّذي تَتَبَرَّعُ بِالكَفِّ عَنْهُ !
ثُمَّ قالَ : يَا بْنَ العاصِ ! مَتَى تَعَبَّدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ امَّهاتُهُمْ أحْراراً ؟ ! « 1 »
انتقاد كيفيّة عدالة عمر من جهات مختلفة
فهذه الواقعة التي يذكرها ابن أبي الحديد ويفتخر بها على الآخرين أيضاً في كلّ مكان كونها تدلّ على عدل عمر ، ويعدّونها رمزاً للعدالة والحرّيّة ، فيها إشكالات من عدّة جهات :
الأوّل : أنَّه طلب من ذلك الشابّ أن يأخذ الدرّة ويضرب بها ابن عمرو بن العاص . فقام الشابّ بالاقتصاص . ثمّ طلب من بعد ذلك أن
هامش
( 1 ) « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 95 .