عن ميزان الحقّ بيني وبين الله ، ولكي أكون في مقام العبوديّة عبداً صرفاً للّه ؛ فلست أملك شيئاً زائداً على ما في عُهدتي ومسئوليّتي من تكاليف لُانسبه إلى نفسي ، فإنِّي عبد صِرف وعبد رقّ للّه عزّ وجلّ ، وجزائي عليه لا عليكم . فليس لمدحكم وتمجيدكم وثنائكم من أثر عَلَيَّ .
لقد قام أمير المؤمنين عليه السلام هنا بمعجزة حقيقيّة ! تأمّلوا بدقّة في هذه الجملة القصيرة ، كيف بيَّن عليه السلام حقيقة مقام العبوديّة ؛ حقّاً إنَّ على الأنبياء أن يأتوا ليجلسوا في هذه المدرسة ويسمعوا كلمات أمير المؤمنين عليه السلام وكيفيّة بيانه للمعارف الإلهيّة بهاتين الكلمتين !
فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ ؛ وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أهْلِ البَادِرَةِ ؛ وَلَا تُخَالِطُونِي بِالمُصَانَعَةِ .
أي كونوا مستقيمين ومباشرين ، ولا تتعرّضوا لأيّ انفعال ، ولا تتنازلوا عن ذواتكم لأجل ولايتي أبداً ، ولا تخضعوا للانفعالات ، ولا توافقوا على كلّ ما أقوله من دون أن تروه أو تفهموه ، فإنِّي لا أرضي بمثل هذه الأمور ، فلا تُصانعوني ، ولا تداروني ، ولا تخلطوا الأمور بالمجاملات وتدعوها تمرّ بهذا النحو !
لا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل
وَلَا تَظُنُّوا بِيَ اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ، وَلَا التِمَاسَ إعْظَامٍ لِنَفْسِي ؛ فَإنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقَّ أنْ يُقَالَ لَهُ ، أوِ العَدْلَ أنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ ، كَانَ العَمَلُ بِهِمَا أثْقَلَ عَلَيْهِ .
فَلَا تَكُفُّوا عَن مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أوْ مَشْورَةٍ بِعَدْلٍ ؛ فَإنِّي لَسْتُ فِي بِفَوْقِ أنْ اخْطِئَ وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي ، إلَّا أنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أمْلَكُ بِهِ مِنِّي .
فَإنَّمَا أنَا وَأنتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أنْفُسِنَا ، وَأخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إلى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ ؛ فَأبْدَلَنَا بَعْدَ