بدنه يمنعه من المشاركة ، وأنّه لا يتمكّن طيّ كل تلك المسافة الطويلة . وخلاصة الأمر فإنّ هؤلاء المنافقين المعروفين ، والذين لم تكن أعدادهم كثيرة جدّاً بالطبع ، لكنّهم كانوا جماعة معتدّاً بها . حين جاءوا إلي النبيّ واستأذنوه بترك الذهاب ، فأذن لهم النبيّ بإشارة من رأسه ، فنزلت الآية :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ .
انظر إلي حالة الحياء والخجل والجلالة وسعة الصدر عند النبيّ ، ففي نفس الوقت الذي كان يريد فيه الذهاب إلي معركة تبوك ، الحرب التي وقع جميع مسئوليتها علي عاتقه ، جاءه شخص طالباً منه الإذن متعلّلًا بمرض أو عذر فلو لم يسمح له النبيّ لقال كم هو قاسي القلب وعديم الرحمة هذا الرجل ، فهو يأخذ الجميع إلي الحرب حتّى أنّي - أنا المريض - أطلب منه الإذن للبقاء في المدينة فيمتنع عن ذلك .
ومن جهة أخرى فإنّه ما إن يأذن لهؤلاء الأشخاص المعدودين حتّى يصل هذا الخطاب العجيب
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
.
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .
« 1 »
أي ولا تسمح للشدائد والمشاكل والحروب والمشقّات أن تحدث فيك تردّداً أو تزلزلًا .
تفسير آية : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَ . . .
وقد ورد في الرواية أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : شَيَّبَتنِي هُودٌ وَأخَوَاتُهَا ( سورة هود وأخواتها التي تشتمل علي لفظ « اسْتَقِمْ » ) ، لقد كان لفظ « استقمْ » مهمّاً إلي هذه الدرجة التي شيّبني فيه .
هامش
( 1 ) الآية 112 ، من السورة 11 : هود .