ثم إنه لا فارق فيما ذكرناه بين كونهما تعبديين ، وكونهما توصليين ، وقد اتضح من ذلك كله أنه لا جدوى لتطويل الكلام في تحقيق الواجبين التخييري والكفائي ، كما فعله بعض مشايخنا المحققين وغيره .
وقد يقال : إن الخصوصيات الفردية وإن لم تكن واجبة بالأصالة على الفرض ، إلا أنها واجبة بوجوب تبعي مقدمي ، فيكون أخذ الأجرة عليها من قبيل أخذ الأجرة على الواجب وفيه أنا قد حققنا في علم الأصول أن وجوب المقدمة إنما هو وجوب عقلي ، فلا يقاس بالوجوب الشرعي ، ويضاف إلى ذلك أن مقدمية الفرد للكلي ليست من المقدمية المصطلحة كما هو واضح .
وأما الواجب العيني فإن كان مصب الإجارة أو الجعالة فيه الخصوصية الفردية صح ذلك بلا شبهة ، وقد تقدم نظيره في الواجبين : التخييري والكفائي ، وإن كان مصبهما مصب الوجوب فقد علمت اختلاف فقهائنا وفقهاء العامة في حكم أخذ الأجرة على الواجب فمقتضى القاعدة هو الجواز مطلقا ، للعمومات الدالة على صحة العقود والمعاملات .
ولكن أشكل عليه بوجوه :
الأول : أن عمل الحرفي حد ذاته ليس بمال ، وإنما يقابل بالمال لاحترام عمل المسلم ومع الوجوب يسقط عن الاحترام .
ولكنك قد عرفت في أول الكتاب : أن أعمال كل شخص مملوكة له ملكية ذاتية تكوينية ، وله واجدية له فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ، ودون مرتبة الواجدية الحقيقية لمكون الموجودات ، وعليه فدعوى أن عمل الحر ليس بملك دعوى جزافية ، ولا شبهة أن هذه الأعمال المضافة إلى الحر موضع لرغبات العقلاء ومنافساتهم ، فتكون أموال في نفسها ، وتجوز مقابلتها بالمال ، ومع الإغضاء عن ذلك فإنها تكون أموال بمجرد وقوع المعاملة عليها ، وشأنها ح شأن الكلي ، إذ الكلي قبل إضافته إلى شخص خاص لا يتصف بالمملوكية والمالية كلتيهما ، وإذا أضيف اليه ولو حين قوله بعتك منا من الحنطة مثلا أنصف الكلي بالمالية والملكية ، ومن هنا يجوز بيع الكلي في الذمة ، ويحكم بضمان عمل الحر إذا فوته أحد بعد أن ملكه الغير بالإجارة وغيرها .
الثاني : ما ذكره المصنف من أن عمل الحر وإن كان مالا ، ولكن الإنسان إذا تكلف بذلك العمل من قبل الشارع فقد زال احترامه ، لأنه عامله مقهور على إيجاده ، فيكون أخذ الأجرة عليه أكلا للمال بالباطل .
وفيه أولا : أن آية النهي عن أكل المال بالباطل غريبة عن شرائط العوضين ،
مصباح الفقاهة من تقرير بحث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( ط أنصاريان ) — صفحة 469
مساهمون: الشيخ ميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي
ص٤٦٩