وإذا عرفت ذلك فقد اتضح لك الحال في الأقوال الصادرة عن الأئمة « ع » في مقام التقية ، فإنا لو حملناها على الكذب السائغ لحفظ أنفسهم وأصحابهم لم يكن بذلك بأس ، مع أنه يمكن حملها على التورية أيضا كما سيأتي .
وبذلك يتجلى لك افتضاح الناصبي المتعصب إمام المشككين ، حيث لهج بما لم يلهج به البشر ، وقال في خاتمة محصل الأفكار حاكيا عن الزنديق سليمان بن جرير : إن أئمة الرافضة وضعوا القول بالتقية لئلا يظفر معها أحد عليهم ، فإنهم كلما ( أرادوا شيئا تكلموا به فإذا قيل لهم هذا خطأ أو ظهر لهم بطلانه قالوا : إنما قلناه تقية ) .
على أن التفوه بذلك افتراء على الأئمة الطاهرين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قال اللّه تعالى « 1 » :
( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ )
.
قوله الأقوال الصادرة عن أئمتنا في مقام التقية .
أقول : حاصل مراده أن ما صدر عن الأئمة « ع » تقية في بيان الأحكام وإن جاز حمله على الكذب الجائز حفظا لأنفسهم وأصحابهم عن الهلاك . ولكن المناسب لكلامهم والأليق بشأنهم حمله على إرادة خلاف ظاهره من دون نصب قرينة على المراد الجدي ، كأن يراد من قولهم « 2 » : لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر جواز الصلاة في الثوب المذكور مع تعذر غسله والاضطرار إلى لبسه .
ويؤيده تصريحهم « ع » بإرادة المحامل البعيدة في بعض المقامات ، ففي رواية عمار عن أبي عبد اللّه « ع » « 3 » : ( فقال له رجل : ما تقول في النوافل ؟ قال : فريضة ، قال : ففزعنا وفزع الرجل فقال أبو عبد اللّه : إنما أعني صلاة الليل على رسول اللّه « ص » ) .
وفيه أنك قد عرفت آنفا عدم استقلال العقل بقبح الكذب في جميع الموارد ، وإنما هو تابع للدليل الشرعي ، وعليه فمهما حرمه الشارع يكشف منه أنه قبيح ، ومهما ورد الدليل على جوازه يكشف منه أنه ليس بقبيح . وحينئذ فالكذب الجائز والتورية سواء في الإباحة ولا ترجيح لحمل الأخبار الموافقة للتقية على الثاني .
قوله ومن هنا يعلم أنه إذا دار الأمر في بعض المواضع إلخ .
أقول : ملخص كلامه : أنه إذا ورد عن الأئمة « ع » أمر وترددنا بين أن نحمله على الوجوب بداعي التقية
هامش
( 1 ) سورة النحل ، آية : 107 .
( 2 ) راجع ج 1 ئل باب 38 نجاسة الخمر من أبواب النجاسات ص 200 .
( 3 ) راجع ج 1 ئل باب 16 جواز ترك النوافل من أبواب أعداد الفرائض والنوافل ص 220 . وج 5 الوافي ص 20 .