بلحاظ أنه حرّم على سمرة أن يضرّ الأنصاري ، لأن النفي منصبّ على ما كان ضرراً محرّماً في الرتبة السابقة على النفي ، وهذا معناه أن « لا ضرار » ناظر إلى شيء آخر غير مجرّد الحرمة ، وهو نفي الضرار الحرام بلحاظ ما في الشريعة ، بخلاف الفقرة الأولى فإن المنفي هو نفس الضرر بلحاظ ما في الشريعة ، لذا كان يكفي في مقام تصحيح هذا النفي أن يفرض أنه حرّم على سمرة أن يضرّ الأنصاري . أما في الفقرة الثانية فكأنه يقول : الضرر المحرّم الذي وقع عصياناً فهو منفي ، أي لا يقع خارجاً ، بمعنى أن الشخص العاصي لا يتمكّن من الإضرار . أذن فقد فرض أن هناك شخصاً بانياً على الإضرار بالغير ، وأن الحرمة الأولية المستفادة من « لا ضرر » لا تكفي لانتفاء الضرر خارجاً ؛ هنا تأتي الفقرة الثانية ، لتبين عدم تمكّن مثل هذا الشخص لإيقاع الضرر ، فهذه الفقرة بصدد بيان حكم آخر غير الحكم بالإباحة .
وبمناسبات الحكم والموضوع يتعيّن أن يكون هذا الحكم المنفي ب « لا ضرار » هو الذي كان يريد سمرة أن يستغلّه لأن يوقع الضرر على الأنصاري ، وليس ذلك إلّا حقّه في إبقاء نخلته في حائط الأنصاري . ولما وجد الشارع أنه لا يستطيع أن يردع سمرة عن هذا الإضرار مع التحفظ على حقّه في إبقاء نخلته ، لأن المفروض كما صُرّح في عدد من الروايات أن النبي صلى اللَّه عليه وآله اتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحفظ حق سمرة مع عدم الإضرار بالأنصاري ، لكنها لم تفلح . ولما كان هناك شبه ملازمة بين بقاء حق سمرة ووقوع الضرر على الأنصاري ولم يكن بالإمكان علاج هذا المشكل أي الدخول بلا استئذان بطريق آخر ، فلم يبق إلّا نفي سبب وقوع هذا الضرر ، وهو في المقام حق إبقاء الشجرة في حائط الأنصاري ، فنفى هذا السبب ب « لإضرار » وجاز للأنصاري أن يقلع نخلته ويرمِيَ بها إليه .
لا ضرر ولا ضرار من أبحاث الشهيد محمد باقر الصدر — صفحة 289
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٩