ومعنى الشكّ واليقين في الصورة الأخيرة واضح ولا إشكال فيه ؛ إذ متعلّق الثاني نفس الأمرين ، ومتعلّق الأوّل وضعهما .
وربما يشكل في غيرها بأنّ الشكّ عبارة عن تساوي اعتقاد الوجود والعدم ، واليقين عبارة عن انحصار الاعتقاد في أحدهما بحيث ينفي الآخر ، وحينئذ فالشكّ بأحد النقيضين مقتضاه تساوي احتمال وجوده وعدمه ، واليقين به مقتضاه نفي وجود النقيض الآخر ، فلا يجتمعان ، وإلّا لزم اجتماع النفي والإثبات ، وهو باطل بالضرورة .
وتوضيحه : أنّ اليقين بالحدث مقتضاه القطع بعدم الطهارة ، فكيف يجامعه الشكّ فيها ! ؟
وكذا اليقين بالطهارة مقتضاه القطع بعدم الحدث ، فلا يجامعه الشكّ فيه .
والجواب عن هذا الإشكال من وجوه .
أحدها : أنّ امتناع اجتماع الأمرين إنّما يسلّم لو كانا في زمان واحد ، لا مطلقا حتّى زمانين ؛ ضرورة أنّ من شرط التناقض المانع عن الاجتماع الوحدة في الزمان .
والحاصل : أنّ المكلّف كان على يقين من الطهارة أو الحدث في سابق زمانه ، وإنّما طرأ الشكّ بعد هذا الزمان ، فالمراد أنّ الشكّ الطارئ لا يرفع حكم اليقين الماضي .
وإلى هذا أشار الماتن رحمه اللّه في نكته على نهاية الشيخ حيث إنّه بعد أن قال : « كيف يشكّ ويكون له يقين ! ؟ » قال :
الجواب : يريد به إذا انصرف متيقّنا طهارته لم يؤثّر ما يعرض له من الشكّ بعد ذلك ، فيكون اليقين سابقا ، ثمّ يتجدّد الشكّ في وقت آخر « 1 » . انتهى .
وهذا جيّد ، كما لا يخفى .
نعم ، هو الآن بحسب نفس الأمر شاكّ يتساوى عنده الأمران ، إلّا أنّه بعد ملاحظة اليقين السابق يجب عليه تغليب حكمه على حكم هذا الشكّ بحسب حكم الشرع بحجّيّة الاستصحاب وعدم نقض اليقين بالشكّ ، لا أنّه بعد هذه الملاحظة يحصل الظنّ واقعا ، كما زعمه المحقّق الكركي رحمه اللّه في جامع المقاصد حيث إنّه بعد أن ذكر قول العلّامة : « ولو تيقّن
هامش
( 1 ) النهاية ونكتها ، ج 1 ، ص 225 .