كونه اسماً مطلقاً موضوعاً للصوت الّذي هو عرض من مقولة الكيف أو اسم مصدر بمعنى التغنّي كالوضوء للتوضّؤ والغسل للاغتسال والسلام للتسليم والكلام للتكليم ، أو مصدراً وإن لم يأت من جنسه فعل بل الفعل من هذه المادّة إنّما أتى من باب التفعّل ومن باب التفعيل كما ضبطه صاحب القاموس ، إلّا أنّ أرجح الاحتمالات هو الأخير نظراً إلى قاعدة الاشتقاق فإنّ بابي التفعّل أو التفعيل من هذه المادّة لا بدّ وأن يؤخذ من مصدر مجرّد ، ولا بدّ وأن يكون لهما مبدأ حدثي يكون من المصادر المجرّدة ولا يصلح له إلّا لفظ الغناء فيكون مصدراً ، فلا بدّ وأن يكون قد اخذ في معناه معنى حدثي يكون من مقولة الفعل ، وهو لا يخلو عن أحد الأمور المذكورة .
ويؤيّد كونه مصدراً أيضاً صحّة تعلّق التحريم وغيره من الأحكام التكليفيّة ، فإنّها وإن احتمل كونها منوطة بتقدير فعل إلّا أنّ الأصل عدم التقدير .
ويؤيّده أيضاً أنّه عبّر عنه في عدّة آيات من الكتاب العزيز بما هو ظاهر في الفعل كقول الزور في قوله :
« فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ »
« 1 » و
لَهْوَ الْحَدِيثِ
في قوله تعالى :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ »
« 2 » الآية ، واللغو في قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ »
« 3 » لما ورد في الروايات من تفسير هذه الألفاظ بالغناء ، وهي ظاهرة المعاني الحدثيّة المصدريّة فيكون الغناء أيضاً مصدراً فتأمّل .
وكيف كان ففي كلام جماعة من الأصحاب إحالة معرفة حقيقة الغناء واستعلام ما اخذ في مفهومه من الخصوصيّات كرفع الصوت ومدّه وحسنه وترجيعه والتطريب به إلى العرف ، لمكان قولهم « أو ما يسمّى في العرف غناء » كما في المسالك « 4 » والروضة « 5 » والرياض « 6 » وغيرها « 7 » .
وهذا في خصوص هذا اللفظ لا يخلو في بادئ النظر عن إشكال ، لعدم إمكان التوصّل إلى عرف العرب القحّ وهم الممحضون في العربيّة ولم يخالطهم العجميّة ، وعدم
هامش
( 1 ) الحجّ : 30 .
( 2 ) لقمان : 6 .
( 3 ) المؤمنون : 3 .
( 4 ) المسالك 3 : 126 .
( 5 ) الروضة 3 : 212 .
( 6 ) الرياض 8 : 155 .
( 7 ) كما في التنقيح 2 : 11 .