تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
وعن الحلبي الاحتجاج على ما صار إليه بأنّ : « الشرعيّات كلّها ظنّية ، وأنّ العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل » « 1 » ، وقد يحتجّ له أيضا : « بأنّ الاشتغال بالطهارة بالماء الطاهر والصلاة بالثوب الطاهر ثابت يقينا ، وهو ممّا يقتضي اليقين بالبراءة جزما ، ولا يحصل اليقين إلّا بالطاهر الواقعي لمكان وضع الألفاظ للمعاني الواقعيّة ، وقضيّة ذلك تعيّن الاجتناب عمّا ظنّ بنجاسته ، لأنّ مقدّمة الواجب المطلق ممّا لا بدّ منها » . « 2 » والجواب عن الأوّل : بمنع ابتناء الشرعيّات مطلقة على الظنّ ، لو أريد بها ما يعمّ الموضوعات الخارجيّة كما هو المتنازع فيه وبدونه لا يجدي ، ولو سلّم فهو لم يثبت إلّا من باب القاعدة القابلة للتخصيص ، والروايات المتقدّمة تنهض مخصّصة لها ، هذا مضافا إلى ما في حسنة الحلبي المتقدّمة « 3 » من الظنّ المأمور معه بالنضح الّذي لا يكفي في رفع النجاسة ، ومثله ما في رواية زرارة المنهيّ معه عن إعادة الصلاة ، فإنّ « الظنّ » إن لم يكن ظاهرا في معناه المعهود فلا أقلّ من كونه شاملا له ، ومثله الشكّ الوارد في رواية ابن الحجّاج « 4 » بقرينة تقدّم الحسبان في كلام السائل ، مع شيوع إطلاق هذا اللفظ في الروايات على مطلق الاحتمال ، وعلى هذا القياس لفظ « الرأي » الوارد في رواية عبد اللّه بن سنان « 5 » المحكوم معه بالنضح ، مضافا إلى سائر الروايات الشاملة بإطلاقها لصورة الظنّ أو الظاهرة فيها ، ولا ريب أنّ ما ذكر في الاحتجاج لا يصلح معارضا لشيء من ذلك . وعن الثاني : بأنّ العقل ممّا لا مدخل له في التعبّديّات ، والعبرة في الراجحيّة والمرجوحيّة بالقياس إليها إنّما هو بما اعتبره الشارع ، ولا اعتداد فيها بالترجيح العقلي ، فحيث إنّ الشارع حكم بالطهارة ، ما لم يحصل العلم بنقيضها كشف عن كون الراجح في نظره مع عدم العلم هو الطهارة ، فنحن أنّما نأخذ بها لا بعنوان أنّه مرجوح في نظر العقل لئلّا يكون جائزا ، بل بعنوان أنّه راجح في نظر الشارع ، بل المتّجه حينئذ المنع عن قضاء العقل بالمرجوحيّة بعد ما لاحظ ترجيح الشارع للطهارة . وبالجملة : المرجوحيّة لو أريد بها ما هو بحسب اعتقاد المكلّف فنمنع حكم العقل
هامش
( 1 ) حكى عنه في المعالم 1 : 381 . ( 2 ) مشارق الشموس : 283 . ( 3 ) تقدّمت في الصفحة 463 الرقم 1 . ( 4 ) تقدّمت في الصفحة 464 الرقم 1 . ( 5 ) تقدّمت في الصفحة 464 الرقم 3 .