وأمّا [ الثالث : أي ] اعتبار الدفعة [ فهل يتم أو لا ؟ ] ( 1 ) . والمراد بالدفعة : إنّما هي العرفية لا الحكميّة ؛ لتعذّرها ، واعتبارها يفيد أمرين : الأوّل : أن يلقى تمام الكرّ ، فلو اتّصل به ثمّ انقطع لم يكفِ وإن حصل الامتزاج .
الثاني : أن يكون دفعة ، والمرجع فيها إلى العرف ( 2 ) .
شرح
( 1 ) فقد وقع في كلام جملة من علمائنا كالمصنّف والعلّامة « 1 » وغيرهما . وفي الحدائق : « الظاهر أنّه المشهور بين المتأخّرين » « 2 » . ويظهر من كلام آخرين : عدم اعتبارها ، وصرّح به بعضهم « 3 » .
( 2 ) وفي كشف اللثام في تفسير عبارة العلّامة من اعتبار الدفعة بأنّ المراد بها ، لا دفعتين ولا دفعات ؛ بأن يلقى عليه مرّة نصف كرّ ثمّ نصف آخر « 4 » . وهو تأويل بعيد جدّاً ، فإنّ هذا المعنى يجزي عنه قوله : إلقاء كرّ ؛ إذ الظاهر منه المجتمع .
وكيف كان ، فغاية ما يمكن الاستناد إليه في اعتبار الدفعة : النصّ المرسل عن المحقّق الثاني « 5 » .
وما في المدارك - من أنّا لم نعثر عليه في كتب الحديث ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال « 6 » - غير قادح ؛ إذ عدم الوجدان لا يقضي بعدم الوجود .
وعن المحقّق الثاني أيضاً نسبته إلى تصريح الأصحاب 7 ، فيكون هذا وما في الحدائق من نسبته إلى المشهور بين المتأخرين على الظاهر جابرين لهذا المرسل . مع أنّ استصحاب النجاسة محكّم ، ولا بيان لكيفية التطهير .
هذا كلّه ، مع التأييد بأنّ مع التدريج ينجس كلّ جزء يصل إلى الماء النجس ؛ لعدم تقوّي السافل بالعالي .
وعن الشيخ علي - بعد أن ذكر كلام الشهيد في الذكرى بأنّه يطهر بإلقاء كرّ عليه متّصل ، ولم يشترط الدفعة - « بأنّ فيه تسامحاً ؛ لأنّه بوصول أوّل جزء منه إلى النجس يقتضي نقصانه عن الكرّ ، فلا يطهِّر » 8 .
واعترضه في المدارك : « بأنّه يكفي في الطهارة بلوغ المطهّر الكرّ حال الاتّصال إذا لم يتغيّر بعضه بالنجاسة وإن نقص بعد ذلك ، مع أنّ مجرّد الاتّصال لا يقتضي النقصان كما هو واضح » 9 .
وكأنّ كلام المحقّق [ الثاني ] ينحلّ إلى أنّه لا معنى للاقتصار على الكرّ ، بل لا بدّ من الزيادة ، لا أنّه تعليل لاعتبار الدفعة .
وما في المدارك أيضاً : من أنّ « تصريح الأصحاب بالدفعة ليس حجّة ، مع أنّ العلّامة رحمه الله في التحرير والمنتهى اكتفى في تطهير الغدير القليل النجس باتّصاله بالغدير البالغ كرّاً ، ومقتضى ذلك الاكتفاء في طهارة القليل باتّصال الكرّ وإن لم يلق كلّه ، فضلًا عن كونه دفعة » 10 .
يدفعه : ما عرفت سابقاً من أنّ ذلك لا ينافي اعتبار الدفعة ، لِما قدّمنا أنّ المراد أنّه إذا كان التطهير بإلقاء الكرّ يعتبر فيه أن يكون دفعة ، فحينئذٍ لا ينافي قولهم طهارة أحد الغديرين بالآخر ؛ لأنّه ليس تطهيراً بالإلقاء ، فلا معنى لما ذكره في المدارك . وممّا يرشد إلى هذا تنظير العلّامة في جريان ماء الحمّام إلى سواه « 11 » ، وما ذلك إلّا من جهة استعلاء المادة وعدم حصول الدفعة .
هامش
( 1 ) نهاية الإحكام 1 : 257 .
( 2 ) الحدائق 1 : 337 .
( 3 ) الروضة 1 : 32 .
( 4 ) كشف اللثام 1 : 309 .
( 5 ) 5 ، 7 ، 8 جامع المقاصد 1 : 133 .
( 6 ) 6 ، 9 ، 10 المدارك 1 : 40 .
( 11 ) نهاية الإحكام 1 : 230 .