روى مسلم بأسانيد متعدّدة أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذا سلّم لم يقعد إلّا مقدار أن يقول :
« اللّهمّ أنت السلام ومنك السّلام ، تباركت ذا الجلال والإكرام » . « 1 » وقال بعض علمائهم :
استحبّ الفقهاء تنحّي الإمام عن محلّه عقيب سلامه ؛ لأنّه موضع فضيلة استحقّه بسبب الإمامة ، فيزول بزوالها . وقيل : ليراه من لم يسمع سلامه .
وقال بعض الشافعيّة : إنّما يستحبّ التنحي عن موضع الإمامة في صلاة بعدها راتبة ، وأمّا الّتي لا راتبة بعدها فلا يستحبّ ، « 2 » فإنّه يروى أنّه صلى الله عليه وآله كان يقعد في الصبح حتّى تطلع الشمس ، « 3 » وكان بعضهم يقول : يكفي في تنحّيه الانحراف الذي يخالف هيئة الجلوس الذي كان له .
قوله في خبر منصور بن يونس : ( من صلّى صلاة فريضة وعقّب إلى أخرى فهو ضيف اللَّه ) إلخ . [ ح 3 / 5116 ]
الظاهر أنّ المراد من الصلاتين المشتركتين في الوقت - كالظهرين والعشائين - فلا يشمل مثل الفجر والظهر والعصر والمغرب ، فإنّ ذلك فيهما غير مستحبّ لأدائه إلى كراهة العبادة على النفس غالباً .
وقد روى المصنّف في باب الاقتصاد في العبادة عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تكرهوا عبادة اللَّه إلى عباده ، فيكونوا كالراكب المنبت « 4 » الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى » . « 5 » وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « يا علي ، إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض على نفسك عبادة ربّك ، إنّ المنبت - يعنى المفرّط - لا ظهراً أبقى ولا
هامش
( 1 ) . صحيح مسلم ، ج 2 ، ص 95 .
( 2 ) . فيض القدير ، ج 5 ، ص 181 .
( 3 ) . صحيح ابن خزيمة ، ج 1 ، ص 373 .
( 4 ) . المنبت : الذي أتعب دابّته حتّى عطب ظهره ، فبقي منقطعاً به ، ويقال للرجل إذا انقطع في سفره وعطبت راحلته . لسان العرب ، ج 2 ، ص 7 ( بتت ) .
( 5 ) . الحديث الأوّل من ذلك الباب ؛ وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 109 - 110 ، ح 269 .