تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠

سنة 1336 ه

اشتداد الجوع وجمع إعانة للفقراء :

كانت الأمطار في شتاء السنة الماضية قليلة جدا بحيث يئس الناس من حياة الزروع ، فارتفع سعر شنبل الحنطة في حلب إلى ألفي قرش ، كما أشرنا إلى ذلك قريبا ، واشتد الخطب على العجزة والضعفاء والفقراء وأصبح كثير من الناس يقتاتون بالحشيش يسلقونه ويأكلونه فترم « 1 » سوقهم ويموتون . ومنهم من يقتات بقشور البقول والفواكه وتفل النّشا - المعروف بالدوسة - والعظام . وبعض الجزارين يخلط لحوم الحمير بلحوم الغنم ويغش بها الناس . وصار الجوع يفتك بالفقراء فتكا ذريعا وقد ملأ ضجيجهم الفضاء فكان الإنسان يتألم من صياحهم وتضورهم ، خصوصا حينما كان يشاهد بعض موتاهم جثثا هامدة في الأزقة والشوارع رجالا ونساء وأطفالا ، الأمر الذي أثار الحمية وأزكى نار المروءة في أفئدة جماعة من أهل النشاط والوجاهة ، فسعوا بتأليف جمعية خيرية تهتم بجمع إعانة نقدية من أهل الخير تصرفها في قيمة خبز تفرقه على المعوزين المذكورين . فما مضى غير أيام قليلة حتى بلغ ما جمع من هذه الإعانة نحو خمسة وعشرين ألف ورقة مائة ، وكان سعر الورقة في التجارة نحو ثلاثين قرشا . ثم إن هذه الجمعية أخذت المدرسة الشعبانية والقرناصية والإسماعيلية وغيرها من الأماكن ، وحشدت فيها المعوزين من النساء والأطفال ليس إلّا ، وجعلت الجمعية تفرق على كل واحد منهم رغيفين في اليوم . وقد بلغ مجموعهم نحو ألفي نسمة ، وهذا العدد بالحقيقة يقدّر بثلث عشر فقراء مدينة حلب ، فإن عددهم يقدر بتلك الأيام بستين ألف فقير من المسلمين فقط . أما فقراء الطوائف المسيحية والإسرائيلية فكان يقدر عددهم بنحو عشرة آلاف فقير .
هامش
( 1 ) تصاب بالورم . وفعله : ورم يرم .
نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 490 | محمود فاخوري / كامل البالي الحلبي الشهير بالغزي / شوقي شعث