تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
من دون حساب ولا عقاب ، وإذا قدم مركب موسوق « 1 » حطبا أو فحما إلى الميناء يذهبون حالا إليه ويسمونه بسمة أرطتهم « 2 » ، إشعارا بأنه قد دخل تحت ظل حمايتهم وبأنه قد صار لهم حق بيعه وقبض ثمنه ، وجميع الخضر الواردة إلى السوق تحت مطلق تصرفهم يبيعونها بما شاؤوا ويعطون أصحابها من الثمن ما سمحت به أنفسهم . وهم في كل يوم يذهبون جميعا باحتفال لأجل أخذ مرتّباتهم ، ويتعدون في طريقهم على كل من صادفوه ، وقائدهم يمشي أمامهم وبيده مغرفة ضخمة طولها ذراعان وهم يتبعونه حاملين مراجلهم العظيمة على عتلات ومعهم جمهور من المحافظين بأيديهم سياط ضخمة . فإذا اتفق أن أحدا لم يحد عن الطريق - الذي يمرّون فيه - حالما يسمع قولهم : صاغ ( أي ظهرك أو احذر ) فإن القائد يضربه بتلك المغرفة العظيمة فيرميه إلى الأرض ، ثم يأتي أصحاب السياط ويوجعونه ضربا . وإذا رأى الحمّال منهم مع رجل رزمة يجبره أن يسلمه إياها لكي يحملها له ، طالبا منه أن يدفع له الأجرة سلفا ، التي ربما تساوي قيمتها . ثم بعد قبض الأجرة يسمح له بحملها إن شاء ، بشرط أن يعطيه شيئا على ذلك . وكان إذا بنى أحد بيتا يأتي إليه نجار من اليكجرية ويطرد نجّاريه ، ثم يتمم هو العمل متى شاء ، وبالطريقة التي يستحسنها . وكان الأمر والنهي في الدواوين والمحاكم والمأموريات بيد أولئك القوم العتاة في جميع بلاد المملكة العثمانية . وكانوا ينصبّون ويعزلون متى شاؤوا . ولم تزل الأمور جارية على هذا المنوال حتى كادت المملكة تسقط تحت نير تلك القوة الهائلة التي كانت أوروبا بأسرها ترتعد من مجرد ذكر اسمها . وفي سنة 1208 ابتدأ السلطان سليم الثالث يتخذ عسكرا جديدا وسماه بالنظام الجديد . فهاج اليكجرية ومن يتعصب إليهم ، فاضطر السلطان إلى إرسال ما كان عنده من العسكر المذكور إلى آسيا ثم أرجعه إلى استانبول حينما اشتغلوا في الحرب خارجا مغتنما تلك الفرصة . ولما أخذ هذا العسكر الجديد يزيد عدّة ، قام الجميع عليه بصوت واحد مدّعين أن ذلك بدعة تضادّ الدين ، فاضطره الأمر إلى التسليم لهم أيضا . ثم انتهز فرصة أخرى وأرجع النظام وجعل منه عسكرا محافظين على المدينة وأحضر من آسيا عساكر غير منتظمة لتكثير العدد .
هامش
( 1 ) أي محمّل . والوسق : الحمل . ( 2 ) الأرطة : لفظة تركية ، معناها الجماعة أو الفرقة من الإنكشارية . ثم صارت بمعنى الجماعة مطلقا .