تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
بسلب تبددوا وعسر جمعهم ، فاضطرت الدولة في أيام السلطان أورخان بن عثمان إلى أن تستبدلهم بجنود لهم رواتب معلومة غير أنهم لم يمض عليهم غير سنيّات قليلة حتى تمردوا على السلطان أورخان ، وربما قاتلوه إذا حملهم على أمر لا يريدونه . فبدا له حينئذ أن يقيم عسكرا من أولاد الأسراء الروم ، وذلك بأن يفصلهم عن والديهم ويعلمهم العقائد الإسلامية ويمرّنهم على الحروب فيشبون على الغزو والجهاد . وبعد سنيّات قليلة تكوّن جيش من العسكر المذكور مؤلف من ألف رجل ما منهم إلا بطل صنديد . فأخذ السلطان أورخان ذلك الجيش إلى ولي اللّه الحاج بكطاش ، وطلب منه أن يسمّيه ويدعو له فوضع يده على رأس جندي منه وقال : ليكن اسمه يكجريا . ثم قطع كمّ لبادته ووضعه على رأس ذلك الجندي ودعا لهذا الجيش بالفوز والظفر . ومعنى يكجري : العسكري الجديد فحرفته العامة إلى انكشاري . ثم لما كثرت فتوحات السلطان مراد وكثر عدد الأسراء - حتى بيع الأسير بكأس من البوزة « 1 » - قال بعض العلماء : إن الحكم الشرعي بإعطاء خمس الغنيمة للسلطان يتناول الأشخاص أيضا ، وإنه إذا جرى هذا الأمر يرتفع ثمن الأسراء ويزداد عدد اليكجرية بسرعة . فأعجب السلطان هذا الرأي وأمر بإجرائه . وقد جرى اصطلاحهم في ذلك الزمان على أن يقسموا أولئك الأولاد إلى أجواق يسمونهم عجم أوغلان ، أي أولاد أعجام ، ويعلمونهم القرآن الكريم ثم التمرن على الأشغال الشاقة ، ثم يدخلونهم في السلك العسكري ، وبعضهم يتخذون حرسا وأعوانا للسلطان . وينقسم هذا العسكر إلى أرط ثم إلى أوض ( مفرده أوضة محرفة عن أوطاق معناه الحصن ) ثم وجاقات . والأرطة مؤلفة من عشرة أشخاص . وبلغت في أيام السلطان محمد خان الرابع مئة وتسعين شخصا . ولهم قائد عام يعرف باسم آغا ، له سلطة مطلقة على وجاقه وحقّ تأديب من أذنب من عساكره ورؤسائه بالحبس والضرب دون معارض . وكان راتب الآغا في أول الأمر فوق أربعة آلاف قرش في الشهر ، ثم زاد كثيرا . وله أن يبقى في مأموريته ما لم يرتكب ذنبا يستحق به العزل ، وإذا عزله السلطان ولم
هامش
( 1 ) البوزة : كلمة تركية ، ومعناها : الخمر المتخذة من الذرة ، وعربيّتها : الغبيراء ، والسّكركة . وتطلق العامّة لفظ « البوظة » على نوع معروف من « المرطبات » .