مع سلطانه إلى المغرب ، كما مرّ مفصّلا ، وكأنه عبّر عن هذه المحنة الأخيرة التي ذهبت فيها نفسه على يد صنائعه الكاتب ابن زمرك والقاضي ابن الحسن ، سامح اللّه الجميع ! .
ويرحم اللّه أبا إسحاق التلمساني صاحب الرجز في الفرائض حيث يقول : [ المنسرح ]
الغدر في الناس شيمة سلفت * قد طال بين الورى تصرّفها
ما كلّ من قد سرت له نعم * منك يرى قدرها ويعرفها
بل ربما أعقب الجزاء بها * مضرة عزّ عنك مصرفها
أما ترى الشمس كيف تعطف بالنو * ر على البدر وهو يكسفها
[ حكاية للسان الدين مع رسول ملك النصارى تدل على علو همته ]
وقال لسان الدين ، بعد ذكره أنّ ملك النصارى دون جانحه بن دون ألفنش استنصر على أبيه بالسلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ، ولاذبه « 1 » ، ورهن عنده تاجه ذخيرة النصارى ، ولقيه بصخرة عباد من أحواز « 2 » رندة ، فسلّم عليه ، ويقال : إن أمير المسلمين لمّا فرغ من ذلك طلب بلسان زناتة الماء ليغسل يده به من قبلة ألفنش أو مصافحته ، ما نصّه « 3 » : والشيء بالشيء يذكر ، فأثبت حكاية اتفقت لي بسبب ذلك ، أستدعي بها الدعاء ممّن يحسن عنده موقعها ، وهي أنّ اليهوديّ الحكيم ابن زرزار ، على عهد ملك النصارى حفيد هذا الفنش المذكور ، وصل إلينا بغرناطة في بعض حوائجه ، ودخل إليّ بدار سكناي مجاور القصر السلطاني بحمراء غرناطة ، وعندي القاضي اليوم بغرناطة وغيره من أهل الدولة ، وبيده كتاب من سلطان المغرب محمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان الكبير المولى أبي الحسن ، وكان محمد هذا قد فرّ إلى صاحب قشتالة ، واستدعي من قبله إلى الملك ، فسهّل له ذلك ، وشرط عليه ما شاء ، وربّما وصله خطابه بما لم يقنعه في إطرائه « 4 » ، فقال لي : « مولاي السلطان دن بطره يسلّم عليك ، ويقول لك : انظر مخاطبة هذا الشخص ، وكان بالأمس كلبا من كلاب بابه ، حتى ترى خسارة الكرامة فيه » . فأخذت الكتاب من يده وقرأته ، وقلت له : « أبلغه عنّي أنّ هذا الكلام ما جرّك إليه إلّا خلوّ بابك من الشيوخ الذين يعرّفونك بالكلاب وبالأسود ، وبمن تغسل الأيدي منهم إذا قبّلوها ، فتعلم من الكلب الذي تغسل اليد منه ومن لا . وإنّ جدّ
هامش
( 1 ) لاذبه : لجأ إليه واحتمى به .
( 2 ) أحواز رندة : ضواحيها .
( 3 ) انظر إعلام الأعلام ص 333 .
( 4 ) الإطراء : حسن الثناء .